فهرس الكتاب
وإذا كان في هذه النظرة شيء من الغلو فتعليل ذلك أن الشاعر ابن رواحه وغيره من المسلمين كانوا في هذه الغزوة يلتقون لأول مرة بجيوش الأمم الأخرى؛ ومنهم الروم، وكان انضمام بعض القبائل العربية إلى جيش الروم لقتال المسلمين أمرًا فرضته ظروف الجوار أو التبعية، التي كانت تخضع لها تلك القبائل، فكان من البديهي أن ينظر المسلمون، الذين يسعون إلى إقامة أمر دينهم ونشره بين العرب وغيرهم، نظرة العداوة إلى أولئك العرب المتحالفين مع الروم، وأن يكون مفهوم الأمة بناءً على ذلك قائمًا على أساس ديني فحسب. ولقد اتسع فيما بعد هذا المفهوم، بحيث أصبح يشمل العرب جميعًا ـ بعد أن أسلم معظمهم ـ، وأصبحت كلمة"العرب"تقترن بكلمة"المسلمين"، وتعبر عنها، كما غدا مفهوم الأمة تبعًا لذلك عربيًا وإسلاميًا واحدًا.
ومما يجري على هذا النمط ما نجده عند بعض الشعراء، الذين يذكرون العرب، ويقصدون العرب المسلمين، أي أنهم يصورون النموذج الجماعي المتمثل في الأمة الواحدة.
ففي معركة"صفين"، وقبيل بدء المعركة، كان الشاعر كعب بن جُعَيل يطوف على الجند، وهم يصلحون سيوفهم ورماحهم، فرأى في ذلك كارثة تنتظر الأمة بأكملها، وعلى الرغم من أنه كان في جيش معاوية بن أبي سفيان، فإنه تجاوز مظاهر هذا الخلاف بين الفرقتين المتحاربتين، وتمنى على الله ألا يشمت بالأمة الأعداء، فقال (32) :
والمُلْكُ مجموعٌ غدًا لِمَنْ غَلَبْ
أصبحت الأُمَّةُ في أمرٍ عَجَبْ
إنَّ غدًا يهلكُ أعلامُ العَرَبْ
فقلتُ قولًا صادقًا غيرَ كَذِبْ:
يا ربِّ لا تُشْمِتْ بنا، ولا تُصِبْ
غدًا نلاقي ربَّنا، فنحتسِبْ
غدًا يكونون رمادًا، قد كُثِبْ (33) .
مَنْ خلعَ الأندادَ كُلاًّ والصُّلُبْ
بعد الجَمَالِ والحَيَاءِ والحَسَبْ