فهرس الكتاب
وفي هذه الأرجوزة يستبصر الشاعر ابن جعيل ملامح المصير الغامض المجهول للأمة الإسلامية، ففي معركة صفين كان المسلمون يقفون على أعتاب فترة جديدة، ملأى بالفتن والصراعات، مؤديةٍ إلى حالة من التمزق والفرقة، إنه يرثي أعلام الأمة، المقدمين على الموت والفناء، بعد أن نفضوا من حياتهم كل مظاهر الشرك والوثنية، وفاؤوا إلى دين الله، الذي وحدهم، وكان لهم عزًا ومجدًا وقوة، إنه يرثي في أعلام الأمة أبطالها ورجالها وعلماءها، الذين زانهم حسنُ الخَلْق والخُلُق، وسما بهم شرفهم الرفيع. فهو رثاء للمثل الإسلامية، وبكاءٌ على ذهابها بذهاب حامليها من أفذاذ الرجال. ولا ينكر المرء أن هذه المعاني التي جاءت في رجز ابن جعيل كانت تضيع في غمرة الأشعار الأخرى، التي ترددت مع صيحات المقاتلين من كلا الفريقين، تستثير كلًا منهما ليفتك بعدوه، ولا شك أنها كانت تقوم على أساس قبلي عصبي، على الرغم ممّا في بعضها من شعارات إسلامية (34) ، ذلك أن كل فريقٍ كان يرى فيما يقدم عليه صوابًا وحقًا، ودفاعًا عن الإسلام والأمة. وشبيهٌ بشعر كعب بن جعيل بيتان لامرأة ندبت أولادها الثلاثة، الذين قتلوا في المعركة بقولها (35) :
أعينيَّ جودا بدمعٍ سَرِبْ
على فتيةٍ من خيارِ العَرَبْ (36) .
وما ضَرَّهُمْ غيرُ حَيْنِ النفوسِ
بأيِّ امرئٍ من قريشٍ غَلَبْ
فالنزاع من أجل الإمارة أو الخلافة جعل المسلمين يقتتلون فيما بينهم، غير عابئين بالخسارة الكبيرة التي مُنوا بها بافتقاد خيار رجالهم، وأبطالهم وفتيانهم، فهم يهدمون ما بنوه من صرح كيانهم الجديد.
وتتوالى صيحات بعض الشعراء بتوالي الأحداث الجليلة، التي عصفت بمصير الأمة، وفرقت أبناءها شيعًا وأحزابًا، يكيد بعضهم لبعض، أو يقتله بدعاوى ليست من الإسلام في شيء.