فهرس الكتاب
ولم يكن الكميت بن زيد الشاعر الوحيد الذي استصرخ العرب والمسلمين، لكي يحافظوا على وحدة أمتهم، ويسعوا إلى لَمِّ شملها، ورأب صدعها، وإنما نجد صدى صرخاته يتردد في شعر نصر بن سَيَّار (56) وأقواله، التي كان يخاطب بها ضمائر الجماعة العربية الإسلامية، حينما كان واليًا على خراسان في أواخر العصر الأموي، فقد تفاقمت دعوات الثورة والانفصال عن جسد الدولة الأموية، وكان من أبرز هذه الدعوات وأخطرها دعوة الموالي إلى إعادة مجد دولتهم الفارسية، التي كانت تمثل لديهم الفردوس المفقود، متخذين لذلك سبيل النقمة على سياسة الدولة، والاستخفاف بكل ماهو عربي من تقاليد وطباع ومظاهر حياة مختلفة (57) . وقد ظلت دولة الأكاسرة الفرس حية في نفوس الموالي، وأملًا يراودهم، ويكاد يتم تحقيقه، وقد تم لهم ذلك فعلًا حينما وجدوا في دعوة العباسيين ضالتهم، فالتحموا بدعاتها، وساعدوهم، وشاركوهم في الملك فيما بعد (58) ، ولما فطن بعض العرب إلى هذا الأمر جعل بعضهم يحذر بعضًا من خطورة المصير المحدق بالعرب والمسلمين، وكان نصر بن سيار من أبرز من تبنى هذه القضية، فراح يناشد القبائل العربية في خراسان أن تقف صفًا واحدًا في وجه ما ينتوي الموالي القيام به مع العباسيين؛ معرِّضين بذلك وحدة الأمة إلى الانقسام والاقتتال والدمار. ومن شعره في ذلك قوله (59) :
أَبلِغْ ربيعَةَ في مَرْوٍ وفي يَمَنٍ
أنِ اغضبوا قبل ألاَّ ينفعَ الغضبُ
ما بالكمْ تَنشِبون الحربَ بينكمُ
كأن أهل الحجا عن رأيكمْ غُيُبُ
وتتركون عدَّوًا قد أحاط بكمْ
فيمَنْ تَأَشَّبَ، لا دينٌ ولا حسبُ
لا عَرَبٌ مثلكمُ في الناس تعرفهم
ولا صريح موالٍ إن هُمُ نُسِبُوا
من كان يسألني عن أهلِ دِينهمِ
فإنَّ دينَهُمُ أن تهلكَ العَرَبُ
قومٌ يقولون قولًا ما سمعتُ بهِ