فهرس الكتاب
صحيح أن الشاعر وجَّهَ شعره هذا إلى الأمويين، الذين كانوا يحكمون الأمة، وأنه كان واليًا لهم على خراسان، ولكن هذا لا يقلل من أهمية هذه الرسالة، الموجهة أيضًا إلى جميع أفراد الأمة، وإذا كان قد خصَّ الأمويين فيها بالخطاب فلأنهم القائمون على سياسة الناس وحكمهم، فهم أول من يوجه إليهم هذا النذير الحار (63) . وكذلك فإن توجه الشاعر إليهم خاصة لا ينتقص من مدلول الانتماء إلى العروبة والإسلام، الذي يرى فيه الشاعر العماد المتين، والأرض الصلبة، التي تصلح للوقوف عليها بثبات، والانطلاق منها، في يقظة جديدة، لدرءِ الأخطار المحدقة بالأمة كلها، فالنداء هو نداء للأمة، على الرغم من تباين أصول أبنائها القبلية، وتعدد أهوائهم السياسية والحزبية، لكي يثوبوا إلى رشدهم، ويلتقوا على كلمة سواء بينهم، تزيل أسباب الفرقة والصراع فيما بينهم، ليبدؤوا من جديد في تشييد صرح كيانهم الجماعي الواحد القوي، مُتَأَسِّينَ في ذلك بالنموذج الجماعي الأمثل، الذي تحقق إبان الدعوة الإسلامية.
لقد كان نموذج"الأمة"نموذجًا جماعيًا فاضلًا مثاليًا، عبر عنه الشعراء إبان الدعوة الإسلامية، وصوروه من خلال حديثهم عن الجماعة الإسلامية الأولى، التي حلت محل القبيلة، بمفهومها الاجتماعي العصبي الضيق. وقد أصبحت هذه الجماعة نواة صالحة لكيان اجتماعي جديد، صنعه الإسلام، وبدأ ينمو ويكبر في ظله، ليتخذ الشكل المثالي، الذي أراده الله للمسلمين، وهو شكل"الأمة"الواحدة.