فهرس الكتاب

الصفحة 17604 من 23694

إن المحب إذا ما فاجأه الحب رجع طفلًا صغيرًا لا يدري كيف يميز، لأنه غير مؤهل لهذا! فهو لا يبالي إلا بما عرف في عهده الأول من تحني المرأة عليه وانعطافها له، ورجع إلى عصره النسائي (( فترى الدنيا بما وسعت لا تعدل في عينيه الصدر الجميل الذي يترامى عليه، وتموت المطامع فيه، وترجع كلها إلى محصول واحد من ذلك الفم الذي يحبه، وتعود لغة الحياة عنده كلغتها الأولى في إشارة أو كلمة أو ابتسامة أو قبلة ) ) (51) .

وقد ربط الرافعي بين هذه الطفولة والحب الصحيح، فلم (( يكن الحب الصحيح في أسمى مظاهره إلا حب المرأة لبني بطنها، وإنما يسمى غرام العاشقين حبًا، لأن في العاشق دائمًا مع حبيبته أصغر معاني الأمومة ) ) (52) ، وألذ معاني الجمال والحب هو الذي يمر بالإنسان في روح وريحان على طريق من لذة النفس التي لا تنتهي، فهذه اللذة من حيث لا نعرف إلى حيث لا نعرف، ويغدو الإنسان وكأنه في تلك اللذات الروحية طفل لا يكبر ما دام في عمر الحب، يقول: (( والحب الروحي الصحيح إنما هو كالطفولة لا تعرف وجه الفتى إلا شبيهًا بوجه الفتاة، فيه تذكير وتأنيث، بل حالة متشابهة كاخضرار الشجر تبعث عليها الحياة حين لا يجيء الحس فيها إلا من جهة القلب ) ) (53) .

ويوحد الرافعي بين حب الابن لأمه، وحب العاشق لحبيبته، فلا يرى بينهما فرقًا إلا في المستوى؛ بمعنى أن العشق هو تقدم عاطفة الابن نحو الأم تقدمها في السن والقيمة والعقل، وهو انتقال من حقيقة الحياة بمعانيها الواقعية إلى (( الحياة بشعرها ومجازها ومعانيها الخيالية الجميلة ) ) (54) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت