فهرس الكتاب
ولكنَّ هذه الفذلكة الصوتية السابقة تقع خارج إطار الدراسة الفنية، أما الدراسة الفنية للاّم فتقول لنا إن هذا الحرف من الأحرف المسماة في فن القافية بـ (الذَّلول) أي التي يكثر ركوب الشعراء لقافيتها، نظرًا لكثرة ألفاظ المعجم التي تصلح قوافي لها. وهي عكس القوافي (الحَرُون) كالضاد والظاء والغين والخاء، وهي قوافٍ يتحاشى ركوبها الشعراء. ويقيني أن قافية اللام تمد الشعراء بفيض كبير من الألفاظ المناسبة للغرض الشعري من جهة، وللوزن العروضي من جهة أخرى، ومن مزايا القوافي عامة أنها ليست مجرد نهاية للبيت الشعري، وإنما تحقِّق- فضلًا عن ذلك التكامل الموسيقي مع بقية العناصر الموسيقية الأخرى في البيت من خلال الأنساق القافوية العمودية، وهذا يدعو إلى تكثيف مستوى الإيقاع وإبرازه، وخاصة ما وجدناه في (لاميات الأمم) التي هي موضوع قراءتنا من القافية اللامية المطلقة لما تحققه من دور إيقاعي في القصيدة بسبب انسياحها على حروف المد، ويدعم ذلك سيطرة القوافي المؤسسة والمردفة، وهي قواف تحقق درجة عالية من الوضوح الصوتي وهنا تحضرني كلمة الأبيوردي الذي يقول في مقدمة ديوانه في معرض الحديث عن الشعر:"وأنصعه عند الشعراء وأسلمه على انتقاد العلماء ما أُحكمتْ مبانيه وتكافأت ألفاظه ومعانيه، ولم يستعن بوحشي الكلام فيه، ولا رُيّضتْ باقتسارٍ أبيّه قوافيه." ( [5] ) وأكّد هذا المعنى العسكري، وأظنه نقله عن بشر بن المعتمر، قال مركّزًا على القافية:"إذا أردت أن تعمل شعرًا فأحضر المعاني التي تريد نظمها فكرَك، وأخطرها على قلبك. وأطلب لها وزنًا يتأتى فيه إيرادها، وقافية يحتملها، فمن المعاني ما يُتمكن من نظره في قافية ولا يُتمكن منه في أخرى، أو تكون في هذه أقرب طريقًا وأيسر كلفة منه في تلك..."