فهرس الكتاب
ثم أعقب بعد بيتي مطلع القصيدة بقوله:"فأما بيته الثاني فهو عظيم الموقع في البهجة، وبديع المأخذ، حسن الرُّواء، أنيق المنظر والمسمع، يملأ القلب والفهم، ويُفرح الخاطر، وتسري بشاشته في العروق، وكان البحتري يسمي نحو هذه الأبيات:"عروق الذهب"وفي نحوه ما يدل على براعته في الصناعة، وحذقه في البلاغة" ( [27] ) ونقد (39) بيتًا من قصيدة قوامها في ديوانه (53) بيتًا ( [28] ) ، ثم قال:"وقد أطلتُ عليك فيما نقلتُ، وتكلفتُ ما سطرتُ؛ لأن هذا القبيل قبيل موضوع، متعمل مصنوع،... وإنما اقتصرنا على ذكر قصيدة البحتري؛ لأن الكتّاب يفضلونه على أهل دهره، ويقدمونه على من في عصره، ومنهم من يدّعي له الإعجاز غُلُوًا، ويزعم أنه يناغي النجم في قوله علوًا،... وهيهات أن يكون المطموعُ فيه كالمأيوس منه، وأن يكون الليل كالنهار، والباطل كالحق، وكلام رب العالمين ككلام البشر." ( [29] ) .
فأنت تلاحظ أن هذا الناقد الكبير لم يجد ما يقارب إعجاز القرآن إلا لامية امرئ القيس ولامية البحتري، فهذا رأي في اللاميتين يؤيد ما نذهب إليه من أن اللاميات السابقة واللاحقة قصائد متميزة، رُزِقت حظًا من السيرورة لخصائص تناثرت فيها، والقوافي يفضَّل بعضها على بعض كما يُفضَّل الناس بعضهم على بعض. وهذه صفة لم يتنبه إليها كثير من الدارسين حتى الذين أشبعوا علم القافية دراسة وبحثًا. والخصائص الفردية في الإنسان والحرف خصائص جمالية، والجمال صفة ذاتية لا يوقف على تعريفها، ولا يُحاط بتفاصيلها.
1-لامية العرب للشنفرى