فهرس الكتاب

الصفحة 17707 من 23694

فإذا أخذنا بالمقولةا لتي تنسب القصيدة للشنفرى، وهذا ما نميل إليه، واستبعدنا نسبتها لخلف الحمر، لأن خلفًا كان أسلوبه في نحل القصائد الجاهلية أنه كان يحاكي أسلوب الجاهليين في نظمه للقصيدة على عمود الشعر العربي القديم، ويحاكي الشاعر الجاهلي في طريقته في هيكلة القصيدة من حيث البدء بالوقوف على الأطلال ووصف الرحلة والتنقل في أقسام القصيدة من غرض إلى غرض وما يتبع ذلك، متوخيًا أن تأتي قصيدته مطابقة للقصيدة المقلَّدة، والنظرة السريعة على قصيدة الشنفرى لا تجعلنا نلمح شيئًا من هذا، فمقدمة لاميته تركز الحديث على سخطه على قومه، وغضبه على أبناء أمه، وحملته على النظام الاجتماعي الذي عاشه وعانى من تقاليده ما عانى، وهذه الأفكار تنسجم مع الحياة البائسة الساخطة التي عاشها الشنفرى، حياة الأسر والعبودية والفقر، والتناقض بين واقعه وتطلعه، ولذا حفلت القصيدة- وليس مطلعها فحسب- بهذه الأفكار الثائرة على القيم الاجتماعية المتناقضة. وهذه الأفكار الساخطة تبناها وحده مع ثلة قليلة من الصعاليك أمثاله، فقاد ثورة ناقمة، ولكنها ثورة المجموعة القليلة التي لا تستطيع قلب الواقع أو تغييره، فظلت ثورة قلة من الصعاليك ولم تتعاظم حتى تصبح انقلابًا اجتماعيًا.

والنظرة المتعمقة في القصيدة تجعل القارئ لها يحكم على أسلوبها وألفاظها وصورها بأنها كاملة، فالشاعر يمتح من معين ذاكرته المفعمة بالصور التي يستمدها من حياة البادية والتقاليد القبلية، التي تتراوح فيها الفكرة مع العاطفة، وإن كان الزخم العاطفي فيها أقوى من الزخم الفكري، حتى ليبدو ذلك في منهج قصيدته التي تتميز بالوحدتين العاطفية والموضوعية، معرضة عن المقدمة الطللية التي سادت في مطالع الكثير الكثير من القصائد الجاهلية وحتى الإسلامية، حتى غدا المطلع الطللي سمة طبعت القصيدة العربية عصورًا كثيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت