فهرس الكتاب

الصفحة 17708 من 23694

وتُركز الأبيات على الشمم العربي، شمم الفتى الشاب البرم بمواقف أبناء قبيلته منه، شمم الفتى الطموح إلى الانعتاق من حياة العبودية بكل أشكالها، حياة الفتى التائق إلى الاغتراب عن القبيلة المتمرد على الضيم، والمتذرع بالصبر، الداعي إلى نوع من مكارم الأخلاق المتعارف عليها في الجاهلية، كالعفاف عن الجشع في المأكل، والعفاف عن الجري وراء النساء الذي كان ديدن أقرانه من الشباب، وإن تعرض للفقر فلا تذّل نفسه، وإذا واتاه الغنى لم يبطر، وإن شعاره كما قال رفيق صعلكته:

أقسّم جسمي في جسومٍ كثيرةٍ

وأحسو قَراح الماء، والماء باردُ

تأمله في الحياتين الاجتماعية والفكرية ساعده على صياغة أفكاره على شكل حِكَم وأمثال تناثرت في ثنايا القصيدة. تعوّد سرى الليل ولفحات قرّه. وألِف حر الهجير وشدة حرِّه. فيه من كرام القوم وسراتهم لجمه لغريزة البطن، علَّمَتْه حياةُ التقشف أن يسبق الوحوش في عدْوه، فكل هذه السجايا لا يتعمقها إلا جاهلي، ولا تصدر إلا عن ذات نفس بدوية، لذا نستبعد نسبة القصيدة لشاعر حضري كخلف، وأظن أن لمجموعة هذه القيم نعت الأدباء هذه القصيدة بأنها لامية العرب لما تحفل به من السجايا العربية. وهي سجايا متناثرة بفوضويّة بين الأفراد والجماعات والقبائل، لم ينتظمها ناظم عقدي لسبقها لفترة الإسلام، الذي جاء وفي المجتمع العربي مثل هذه القيم التي توارثها الجنس العربي، وتأصلت بحكم عامل الزمن، وكان منها الإيجابي والسلبي، فلما جاء الإسلام أسقط السلبي واصطفى الإيجابي ونمّاه وشجَّع عليه، ومن هنا جاءت كلمة نبي العرب المشهورة: [إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق.] .

2-لامية العجم: الطغرائي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت