فهرس الكتاب

الصفحة 17715 من 23694

فإذا تذكرنا أنه قال هذه القصيدة سنة 505هـ في بغداد أدركنا أنها قيلت في فترة إعراض الدهر عنه؛ لأنه لم يجد عند الخليفة (المستظهر) العباسي ما كان ينتظره، لذلك غدا مقامه في بغداد- ثقيلًا مكروهًا، لذا قرر الرحيل عن هذا البلد، الذي حرمه المجد الذي يطمح إليه، وسعة العيش التي يبتغيها، قال:

فيمَ الإقامة بالزوراء، لا سكني

بها، ولا ناقتي فيها ولا جَمَلي؟

ناءٍٍ عن الأهل، صفر الكف، منفردٌ

كالسيف عُرِّي متناه من الخلل

فلا صديق إليه مشتكى حزني

ولا أنيس إليه منتهى جذَلي

طال اغترابي حتى حنّ راحلتي

ورحلُها وقرا العسالة الذبل

أريد بسطه كفٍّ أستعين بها

على قضاء حقوقٍ للعلا قِبَلي

والدهر يعكس آمالي ويقنعني

من الغنيمة بعد الكدّ بالقفَل

وبعد هذا يزاوج في القصيدة بين الغزل التقليدي والحرمان والاغتراب والتطلع للمجد والطموح للوزارة والمركز السياسي، ثم يعود للحكمة، والحكمة تنبع من فكر الرجل عندما يشعر بالفراغ طوال نهاره بعد أن كان يملؤه بمهمات الأمور وإدارة شؤون الدولة، وحل مشاكل الجمهور، فالفراغ يؤدي إلى التأمُّل والتأمل يؤدي إلى الحكمة، والحكمة في نمطٍ من أنماطها تعبير وتصوير للتجارب الإنسانية والنزعات البشرية، اسمع إليه يقول:

حب السلامة يثني همَّ صاحبه

عن المعالي ويُغري المرء بالكسلِ

فإن جنحت إليه فاتَّخذْ نفقًا

في الأرض أو سُلَّما في الجو فاعتزلِ

وهو في هذه الأزمة النفسية لا يعدم أن يرى الضوء في نهاية النفق ولذلك يعلل نفسه بالآمال، ويقرر أن الأيام دُولة بين الناس، قد يتقدم فيها الجاهل ويتوارى العالم، يقول:

أعلل النفس بالآمال أرقبها

ما أضيق العيش لولا فسحةُ الأمل

لم أرتضِ العيش، والأيام مقبلة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت