فهرس الكتاب
ولو رجعنا إلى هذه القصيدة وألقينا عليها نظرة ناقدة لوجدنا أنها من حُرّ الشعر وفاخره، لما فيها من أفكار رزينة حكيمة مصوغة بأسلوب جزل متين، تناولت فنًا من الفنون الشعرية الجادة الرصينة التي عرفها الجاهليون والإسلاميون وجمهور الشعراء في العصور اللاحقة إلى يوم الشعر هذا، ونعني بذلك فن الفخر؛ فالأبيات كلها تدور حول الفخر وما يندرج تحته من معانٍ، كالفخر بصون العرض وحمل النفس على المكروه في اليبتين الأول والثاني، ثم أورد ثلاثة أبيات يناقش فيها ظاهرة قلة عدد أفراد قبيلته في مجتمع كان فيه صراع البقاء بين القبائل على أشده، وهذا الصراع يستلزم بالضرورة كثرة العدد لمواجهة الطبيعة القاسية وطغيان القبائل الكبرى التي لا تمنعها شرعة الجاهلية من التهام القبائل الصغرى. غير أن الشاعر يتمدح بالقيم العربية المثلى على قلة عدد قومه، وهذا العدد القليل لرجال قبيلته يمنعه أيضًا من الفخر بمنعة جانبهم. ثم علل منعة الجانب وحماية الجار والحفاظ على العرض بعامل واحد هو الاستماتة في سبيل هذه المثل العليا، فوقف عند هذا القسم وقفة أطول جعلها في أربعة أبيات، وبعد تعليله لمقومات فخره بالقيم السابقة التفت ليفتخر بقيمة طالما افتخر بها الجاهليون وهي صفاء النسب وعراقته، وجره هذا النوع من الفخر إلي قريب منه وهو التغني بسؤدد قومه ورجاحة عقولهم ليخلص إلى الفخر بكرم قومه في بيت واحد. ويعاوده هاجس الفروسية والحرب مرة أخرى فيدلف إلى الحديث عن الشجاعة وأيام القراع وسيوف المعركة فيستغرق ذلك ثلاثة أبيات أخرى، ثم يُنهي قصيدته بفعل الأمر لهذه التي تخيلها في أول القصيدة تُعيِّره بقلة العدد فيطلب منها ألا تتسرع بازدراء قوم الشاعر لقلة عددهم، وغيرهم من بعض القبائل الكثيرة العدد، على كثرتهم فالعين تقتحمهم والاختبار يخيب الأمل فيهم.
فهذه القصيدة توقفنا على الملاحظات النقدية التالية: