فهرس الكتاب

الصفحة 17719 من 23694

الملاحظة الأولى: أنها خرجت عن النهج التقليدي الذي سارت عليه القصيدة العربية طوال عصور عدة وقرون طويلة، هذا النظام الذي رصد أقسامه ابن قتيبة وهو يتحدث عن شكل القصيدة العربية، كما سمع من شيوخه يعللون أسباب إيراد أقسامها؛ بدءًا من الأطلال والوقوف عليها والتغزل بصويحباتها ووصف راحلاتهن ورحلتهن، وانتهاءً بالحكمة التي تُجعل مسك الختام في كثير من القصائد، ومرورًا بالغرض الأساسي الذي أنشئت القصيدة من أجله كالمدح والفخر والهجاء وغيرها. ولاحظنا أن قصيدتنا هذه خلت من المقدمة الطللية، أو المطلع الغزلي، وما يستتبعه من وصف رحلة وراحلة، بل ابتدأت مباشرة بالموضوع الأساسي الذي هو الفخر بالقيم التي كانت موضع الفخر في تلك الأيام. فهل يجوز لنا أن نفترض أن ثمة مقدمة غزلية أو طللية، ولكن الرواة الذين نقلوا لنا القصيدة أضاعوا هذه المقدمة؟ ليس عندما ما يعزز هذا الفَرَض إلا ما نلحظه من فقدان التصريع في اليبت الأول من هذه القصيدة، وهو تقليد فني محض يكاد يكون ملازمًا للبيت الأول من مطالع القصائد العربية، يصطنعه الشاعر في البيت الأول من قصيدته وهو في أزمة البحث عن القافية المنشودة، والإيقاع الموسيقي الذي يتقمصه البحر العروضي الذي يهتدي إليه الشاعر عند اهتدائه للبيت الأول في منظومته. فالتصريع- على بساطته- يقوم بدور الإيقاع المقفى الذي يُرهص لجميع أبيات القصيدة، ويظل الشاعر المُقْدم على نظم القصيدة، قبل أن يهتدي لاختيار بحر قصيدته وقافيتها كالقارب التائه عن المرفأ، فإذا وجده- وهذا ما يتضمنه التصريع- أصبحت الطريق أمامه مستوية لاحبة.

قلتُ: إن الأطلال والغزل بالمرأة قد فُقدا في مطلع هذه القصيدة، ولكن شبح المرأة لم يُفقَد لا في أول القصيدة ولا في آخرها، أليس في البيت الثالث يقول:

تُعيرنا أنّا قليلٌ عديدنا

فقلت لها: إنّ الكرامَ قليلُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت