فهرس الكتاب
ولو بقينا في إطار وحدة الموضوع لقادنا إلى أن وحدة الموضوع تستتبع (الوحدة النفسية) في القصيدة، والوحدة النفسية واضحة في هذه الأبيات، فالعاطفة التي حفزت الشاعر على نظم القصيدة هي عاطفة الفخر والاعتزاز، وهي تلف الأبيات من أولها إلى آخرها، وهي عاطفة تتسم بالعمق لمسحة الصدق التي تغلفها، وقد نتهم العاطفة في القصيدة المدحية بالسطحية، ونلتمس العذر لذلك الشاعر بما تستلزمه ضرورات المجاملة، إن لم نقل ضرورات العيش ومتطلبات التكسب، ولكن قائل القصيدة الفخرية ليس مضطرًا لشيء من ذلك، لذا نحكم على العاطفة عند الشاعر المفتخر بأنها أقرب ما تكون إلى الصدق. نقول هذا مع اعترافنا بأن القَدْر العقلي في هذه الأبيات أوفر من القَدْر العاطفي فيها، فطابع المعاني الصادرة عن العقل يغلب على طابع العاطفة الصادرة عن القلب والوجدان، ولهذا السبب اقتربت أبيات قصيدتنا هذه من الحكمة، ولهذا السبب أيضًا وضعها ابن طباطبا في كتابه (عيار الشعر) في (الأشعار المحكمة) التي قدم لها بقوله: إنها"المتقنة، المستوفاة المعاني، الحسنة الوصف، السلسة الألفاظ، التي خرجت خروج النثر سهولة وانتظامًا، فلا استكراه في قوافيها، ولا تكلف في معانيها، ولا عيّ لأصحابها فيها" ( [44] ) .
ولكل هذه الخصائص التي توافرت فيها سارت على كل شفة ولسان، وانتشرت انتشار الأمثال. ونظرًا لشهرة القصيدة وقرب معانيها من النفس وأفكارها من العقل اكتسبت الخلود، ولاقت القبول حتى في نفوس الشعراء اللاحقين، فهذا صفي الدين الحلي يدفعه إعجابه بها إلى أن يُخمِّسها شعرًا فيقول في مطلع تخميسه لها:
وطول الفلا رحب عليه وعرضه
قبيحٌ بمن ضاقت عن الرزق أرضه
"إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه"
ولم يُبْلِ سربال الدجى منه ركضه
فكل رداء يرتديه جميل""
ويُغْل من النفس النفيسة سومَها
إذا المرء لم يحجب عن العين نومها