فهرس الكتاب
ثالثًا: من المُسلَّم به تاريخيًا وأدبيًا أن امرأ القيس قد مر بتيماء وهو في طريقه إلى قيصر ملك الروم في القسطنطينية ليستعين بجيش من عنده يحارب به العرب، وقد أشار عليه أعوانه بإيداع سلاحه وأمواله وحتى ابنته (هند) ( [49] ) عند السموأل، وقد لاقى هذا الاقتراح قبولًا في نفس امرئ القيس، لا لوفاء توسمه في السموأل- كما يُروّج لذلك بعض الباحثين المغرضين- ولكن لأن السموأل كان يقيم بالأبلق الفرد وهو حصن محصن بسور عظيم، فهذا يجعل أسلحة امرئ القيس- بنظره- في مأمن من النهب والإغارة، وهي خاصة لا تتمتع بها خيام العرب الرحل المُعرَّضة للغزو والنهب، فأودع امرؤ القيس أٍسلحته وأمتعته وأمواله وإبله وخيله وشاءه، وكل ما ورثه عن أبيه الملك، وحتى ابنته هند عند السموأل، وتخفف من كل ذلك وواصل مسيرته إلى قيصر، فوعده هذا بجيش سيتبعه، ولكن دبر له مكيدة أودت بحياة امرئ القيس فمات ودُفن في أنقرة. ثم تأتي الرواية لتقول إن الحارث بن ظالم غزا السموأل مطالبًا بأسلحة امرئ القيس، وتخلص الرواية إلى أن السموأل رفض أن يسلم أسلحة امرئ القيس وأمواله للغازي، وجرت محاورة حول الأسلحة بين الغازي والمغزو انتهت بأن قتل الحارث ابنًا للسموأل ظفر به خارج الحصن واتخذه رهينة، ففسر الناس هذا العمل من السموأل وفاء. ولا ننفي أن يكون هذا الصنيع ضربًا من ضروب الوفاء لخصائص فردية تميز بها السموأل شخصيًا من بين قومه اليهود الذين اشتهروا بالغدر على مر التاريخ. وقد نفسره بأنه موازنة بين أن يضحي بابنه الرهينة بيد خصمه أو يضحي بأسلحة امرئ القيس وأمواله ومتاعه وابنته هند، فآثر التضحية بابنه، الذي كان له بنون غيره، وأن نساءه يُعوضنه سواه، كما صرَّح بذلك الأعشى على لسانه في الرائية حيث قال:
وسوف يُعقبذيه- إن ظفرتَ به-
ربٌّ كريمٌ وبيضٌ ذات أطهار