فهرس الكتاب
هذه قصيدة لامية غريبة، وتأتي غرابتها من عدة أمور: الأول أن الأدباء العرب لا يعرفونها على الرغم من أنها منظومة باللغة العربية، وعلى جميع الأساليب العربية في نظم الشعر من حيث وحدة الوزن ووحدة القافية ووحدة العاطفة وربما الوحدة العضوية كما يحلو لنقاد العصر الحديث تسميتها. وهي غريبة لأن ناظمها لم يعش على الأرض العربية وبين قومه العرب كأصحاب اللاميات السابقة، وإنما ولد وترعرع في شبه القارة الهندية. وهي غريبة لأن أفكارها لا تمت إلى القوم الهنود الذين يعيش بينهم بصلة لاقوميةً ولا جغرافيةً ولا دينًا ولا مجتمعًا. وهي غريبة لأنها في مدح الرسول محمد (ص) ، والمعروف أن القصائد التي قيلت في مدح الرسول في القرن الثامن الذي عاش فيه ناظمها درجت، في أغلبها، على معارضة البوصيري في قصيدته الميمية التي غدت منطلقًا لفن البديعيات الذي نظمت عليه عشرات القصائد موضوعًا ووزنًا وقافية، صحيح أن وزن هذه القصيدة، وهو البحر البسيط، يلتقي مع البديعيات بالإيقاع فحسب، ولكنه يختلف في الروي عن جميع البديعيات، فالبديعيات رويّها الميم المكسورة، وهذه رويها اللام المكسورة، واختار اللام المكسورة ليقول لنا إنه عارض لامية العجم للطغرائي، ولم يعارض أية بديعية من المنظومات النبوية التي قيلت في عصره: القرن الثامن الهجري. وهي غريبة أيضًا لأنها جانبت في هيكلها هيكل اللاميات السابقة التي لم تبدأ إحداها أو كلها بالغزل والوقوف على الأطلال، على حين وقفت لاميتنا هذه على الأطلال وتغزلت وأطالت الغزل، ولكنه، ولكيلا نُسيء مفهوم الغزل، هو الغزل الذي اشترطه وحدد معالمه أصحاب البديعيات ونقاد الغزل الذين يفترضون وجوده في مطالع المديح النبوي، وأعني به الغزل المهذب، الغزل الوقور، الذي لا تستحي الفتاة أن تنشده أمام أبيها كما قال النقاد، الغزل الذي يليق بأن يُرصَّع مقدمات للأماديح النبوية، لنستمع إلى بعضه، يقول الشاعر: