فهرس الكتاب

الصفحة 17733 من 23694

قبل استعراض بقية المقدمة الغزلية أريد أن ألفت نظر القارئ إلى ما اصطلح عليه البلاغيون باسم (الطي والنشر) - وهو ضرب من فنون البديع- ومن المحسنات المعنوية في البيتين الثالث والرابع من مقطوعة الأبيات التي أوردناها قبل قليل وهذا الضرب من فنون البديع، وتعمد إيراده، ساد في العصور التي تلت العصر العباسي، والمصطلح عليها باسم عصور الدول المتتابعة، وساد نوع آخر نجده في اليبت الخامس يسميه البلاغيون (الجمع مع التفريق) فهذه نماذج قليلة من أمثلة كثيرة تدل على شيوع الاهتمام بالفنون البديعية التي لم تشع في البلاد العربية فحسب بل تسربت إلى خارج وطن العرب إلى شبه القارة الهندية، وهذا مصداق رأي النقاد أن الظاهرة الفنية لا تعرف الحدود الإقليمية أو العرق أو الجنس، وإنما تتجاوز كل ذلك. ثم يسترسل في موضوع الغزل، فيصف المتغزَّل بها بأنها بعيدة المنال، مستعصية على من يروم الوصول إليها؛ لحمايتها بالسيوف والرماح، وهذه صفة المرأة العربية، يقول:

كيف السبيل إليها بعد أن حُفظت

بالبيض والسمر في أعلى ذرى الجبل

طرقتها فجأة، والليل في جَذلٍ

والذئب في كسلٍ، والقوم في شغلِ

هذه بالضبط هي طريقة عشاق العرب، لا أريد أن أقول لك إن المعنى مطروق، ولكن أريد أن أقول لك إن أساليب العشاق العرب في الوصول لمحبوباتهم واحدة؛ الطروق بالليل، والمفاجأة، وانشغال القوم، وكذلك تعبير الشاعر عن الوصول للمحبوبة واحد، وإن كان في أرض غير عربية، تلكم هي أساليبهم، ومن أساليبهم في الغزل إدارة الحوار بين العاشق والمعشوقة، وسيد هذا الأسلوب عمر بن أبي ربيعة الذي فتح للناس هذا الباب على مصراعيه، فجاء بعده صاحب هذه اللامية بعد مئات السنوات وفي منأى عن بلاد العرب ليحاور محبوبته المتصوَّرة، فيقول:

قالت: لك الويل، هلا خفت من أسدٍ

له براثن كالعسالةِ الذُبُلِ

فقلت: إني مليك صيده أسد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت