فهرس الكتاب
هذه اللامية من نوادر اللاميات ونفيسها على كثرتها في الشعر العربي، وأحببت الوقوف عندها لأنها تتميز بفرادتها، ولا أعني فرادة الموضوع، وإنما أعني فرادة الشاعر، فالشاعر هو المؤرخ المشهور بين المؤرخين عبد الرحمن بن خلدون، صاحب الكتاب الذائع الصيت بين المثقفين الكتاب المسمى (العبر وديوان المبتدأ والخبر في أخبار العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر) المعروف اختصارًا: بتاريخ ابن خلدون، ولا تسألني الآن عن هذا العنوان الطويل المسجّع للكتاب، فليس هذا موضع الحديث عنه، ولكنني أريد أن أبدأ الحديث عن ابن خلدون بأنه رجل مؤرخ بالدرجة الأولى، ومن الدرجة الأولى وإن وصفتَه بأنه عالم اجتماع اتفقت معك على نعته بهذه الصفة، فهما، أعني التاريخ وعلم الاجتماع، أبرز صفات ثقافة الرجل، أما إذا سألت مؤرخي الأدب عن شعره أجابوك بأنهم لا يعرفون من شعره شيئًا ولا يعرفون له شاعرية، ثم آتي لأسوق لك هذه اللامية التي تشي بأن ناظمها شاعر كبير، لما تتميز به القصيدة من وضوح الفكرة، ورونق الأسلوب، واختيار الألفاظ الشاعرية المعبرة أصدق تعبير عن العاطفة التي تحملها، والنفسية التي تتراءى بين ثناياها، فيحدوك الفضول العلمي إلى التعرف على هذه القصيدة التي جمعت هذه المحاسن. ولكي أتمكن من وضعك في الإطار العام لهذه الفريدة الضائعة في بطون الكتب أحب أن أسوق لك مناسبتها. فيقول المؤرخون:"لما ولي ابن خلدون القضاء مرة ثانية سنة 801 في مصر والشام نقم عليه الملك الظاهر أحوالًا من معاصاته فيما يريد من الأحكام في القضاء، ووغر صدره على ابن خلدون، وعزله عن الولاية (الوكالة) عن الخانقاه (مزرعة بيبرس في القاهرة كان الظاهر ولاه تصريف شؤونها عندما كان مقيمًا في الفيوم) ."