فهرس الكتاب
فتوسل المؤرخ الكبير للعودة إلى قلب السلطان بصديقه علاء الدين الطنبغا بن عبد الله الجوباني اليلبغاوي الأمير المملوكي في الشام، توصل إليه بالقصيدة الجميلة التالية، وهنا المفاجأة الكبرى لنا.. ذلك أننا عرفنا ابن خلدون مؤرخًا كبيرًا وفيلسوفًا كبيرًا، ولكن قل منا من عرفه شاعرًا عظيمًا.." ( [55] ) وأورد المؤلف هذه القصيدة في 67 بيتًا، ابتدأها بهذا التوسل الجميل:"
سيدي، والظنون فيك جميلهْ
وأياديك بالأماني كفيلهْ
لا تَحُلْ عن جميل رأيك، إني
ما ليَ اليوم غير رأيك حيله
واصطنعني كما اصطنعت بإسْدا
ءِ يدٍ من شفاعةٍ أو وسيله
لا تُضعني، فلستُ منك مضيعًا
ذمة الحب والأيادي الجميله
وأجِرْني، فالخطب عض بنابيه
وأجرى إلى حمايَ خيولهْ
أُنْهِ أمري إلى الذي جعل الله
أمور الدنيا له مكفوله
وأراه في ملكه الآية الكبرى
فولاه ثم كان مديله
ثم راح يسبغ على السلطان الظاهر الصفات الرفيعة كالعزة والشجاعة والشمول بعناية الله، وإجارة الإسلام، والصمود لأعدائه، والشكر لأنعم الله وغيرها، ثم عاد إلى التوجه للمتوسل به، فقال:
لا تقصِّر في جبر كسري، فما زلت
أرجِّيك للأيادي الطويله
أنا جار لكم منعتم حماه
ونهجتم إلى المعالي سبيله
وبعد هذا التوسل عاد فذكّره بالمصيبة التي حلَّتْ به من غرق أسرته جميعًا في البحر، وهي في طريقها إليه من تونس إلى مصر، قال عن نفسه:
غاله الدهر في البنين وفي الأهـ
ـلِ، وما كان ظنه أن يغوله
ورمته النوى قعيدًا قد اجتا
حتْ عليه فروعَه وأصوله
فجذبتم بضبعه وأنلتم
كل ما شاءت العلا أن تُنيله
همة ما عرفتها لسواكم
وأنا من خبرتُ دهري وجيله