فهرس الكتاب

الصفحة 17740 من 23694

وبعد أن فرغ من تصوير مأساته هنا قدَّم بين يدي (وسيطه) حججه التي تفند مزاعم خصومه الذين افتروا عليه أقوالًا مزورة، فقال:

والعدا نمّقوا أحاديث إفكٍ

كلها في طرائقٍ معلوله

زعموا أنني أتيت من الأقوا

لِ، ما لا يُظن بي أن أقوله

كيف لي أغمط الحقوق وإني

شكر نعماكم علي الجزيلة

كيف لي أنكر الأيادي التي تعـ

ـرفها الشمس والظلال الظليله

إن يكن ذا فقدْ برئتُ من الله

تعالى، وخنتُ جهرًا رسوله

واستمر في هذا القسم يحلف الأيمان مبرئًا ساحته من المزاعم والوشايات التي وشى بها أعداؤه إلى السلطان، ثم وجد الفرصة الشعرية سانحة ليعاود الثناء على سجايا السلطان الذي نزهه الله عن العيب، وأسبغ عليه الهدى والفضيلة. ثم توالت أبيات القصيدة بين توسل لهذا الصديق، ومدح لذلك السلطان حتى تختتم القصيدة بأبياتها التي أربت على الستين.

وهذه اللامية، تدور حول ما يسمى (الوحدة الموضوعية) تصور قضية ذاتية، ولكنها في الوقت ذاته تشف عن الكثير من القضايا الاجتماعية والسياسية، فابن خلدون الذي رمته الأقدار إلى العيش في مصر، مدة تقرب من 23 سنة، رمته الأقدار أن يعيش ذلك الجو المضطرب الذي يمور بالأحداث الجسام. فقد عايش الشاعر الظروف التي انتقلت فيها السلطنة من بني قلاوون الممالك البحرية إلى الشراكسة الذين يسمون المماليك البرجية. وشهد انتقاض الأتابكة: يلبغا ومنطاش في ولاية الشام على السلطان الظاهر في مصر. كما شهد زحف التتار إلى بلاد الشام بقيادة ملكهم الفاتك تيمورلنك، وشهد اعتزال الخليفة الذي لم يكن له لا حول ولا طول. وشهد ثورة العربان في مصر، وعانى الكثير الكثير من حسد أترابه من القضاة ودسائسهم، فلذلك لمحنا في القصيدة صورة من صور الحياة في العصر المملوكي، ولذلك سميناها لامية المماليك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت