فهرس الكتاب
في القرن الرابع الميلادي، كان لا يزال الزخم الفكري اليوناني عاملًا مؤثرًا في الفكر الديني المبكر، فظهر لاهوتي مفكر في شرقي الجزائر (بالقرب من عنابة حاليًا) هو القديس أوغوسطين SAINT AUGUSTIN (354-430) . لقد كان من أوائل من أثار مناقشات لاهوتية في مناقشة الدين المسيحي، كما حاول أن يوفق بين الأفلاطونية الحديثة والعقيدة المسيحية، وأصبح أشهر الآباء في الكنيسة اللاتينية. ولسنا نعرف مفكرين بارزين في أوربا (بين القرنين الخامس والعاشر، أو حتى مطلع القرن الثاني عشر، وفي القرن الثالث عشر) ، وفي عام 1209، تاسست فرقة الرهبان الفرنسيسكانيين التي اعترف بها البابا إنوسانت الثالث عام 1215، وقد عُرِف أفراد هذه الفرقة بتفتح الذهن ومحبة العلم، كما عرفت، منذ البدء، بالفقر والتقشف، ولم يسمح رهبانها لأنفسهم بامتلاك شيء إطلاقًا، ثم تهاونوا بالتدريج، فقد عرفت عنهم حركة علمية مرموقة، وكان أبرزهم روجر بيكون الذي أراد تعليم البصريات في الجامعة، إذ يبدو أنه مطلع على أعمال الحسن بن الهيثم. ولكن الكنيسة منعته وأرغمته على الاكتفاء بتعليم العلوم الدينية كاللاهوت والموسيقى والخطابة وبعض مبادئ الحساب. وقد عرفت هذه الرهبنة بأعمالها الخيرية والإنسانية، وتفانيها في الدعوة المسيحية، ولا تزال هذه الرهبنة قائمة حتى الآن أو ربما حتى عهد قريب.
ولا ننكر أنه قد ظهر قبل هؤلاء مفكرون آخرون بدءًا من القرن الحادي عشر، مثل أبلار
(1079-1142) . وهو لاهوتي وفيلسوف سكولاستيكي، قال بمبدأ الشك، ولكنه لم يشكل عنده منهجًا قائمًا بذاته. وهناك آخرون سنأتي على ذكرهم، ويعطيهم المؤلف أهمية كبيرة لا نظن أنهم يستحقونها، إلا من حيث كونهم طلائع عصر النهضة، أو بالأحرى يبشرون بها, لكونهم بدأوا بالمناقشات الفكرية والحوار حول أمور اللاهوت بوجه خاص، وأمور التشريع.