فهرس الكتاب

الصفحة 17761 من 23694

ولكن من الملاحظ أن هذا الحوار جرى بعد الحروب الصليبية، أو في نهايتها تقريبًا. وكانت مواضيع النقاش هي نفسها التي كانت تدور بين الفلاسفة المسلمين وعلماء الكلام. كما هو الحال بين الجبريين والقدريين، والقائلين بحرية الإنسان ومسؤوليته الكاملة عن أفعاله. وليست هذه المناقشات في أساسها إلا الجدل بين الأزلية و الزمنية، التي كانت قد بدأت في مطلع العهد المسيحي، وكان قد بدأها القديس أوغسطين الذي سبق الحديث عنه.

وكانت المشكلة هي: إذا كان الإله أزليًا لا يحده زمان، فكيف يغير من آرائه ويجعلنا نجترح المعجزات ونخالف قوانين الطبيعة ا لتي هي من وضع الإله، والتي لا بد أن تكون أزلية مثله.

لم يكن النقاش مقصورًا إذن على الغرب، كما يريد المؤلف أن يفهمنا، بل هو معروف في الشرق. وقد ظل يجري في الخفاء فعلًا بعد إجهاض حركة المعتزلة، ولكنه لم يتوقف أبدًا. وكلنا نعرف الجدل الذي دار بين الغزالي من جهة وابن رشد من جهة ثانية، إضافة إلى اهتمام كثيرين بالجدل، كالنظّام ويحيى بن عدي وغيرهما...

ولكن المؤلف يعطي حوارًا كهذا، وفي الغرب حصرًا، أهمية أكبر من حقيقته، حتى ليتخيل روابط يشدها ويوسع مداها إلى أن يصل إلى ما يريد. فهو يقول في الصفحة (135) ،"ربما كان نادرًا إمكان اعتبار أثر المصادر الدينية على العقلانية"، كما لاحظها ماكس ويبر، [ولكن المؤلف يميز الغرب كما سنرى] ، لأنه ما أن يتخيل المرء الأهداف السليمة للحياة الدينية، حتى يشرع في إقامة ما قال عنه جيرتز مزاجًا قويًا نافذًا طويل الأمد، ودوافع لتشكيل تصورات من نظام عام من الوجود... وقد خلفت هذه الصور الدينية في العالم الغربي إيمانًا غير متوقع بالعقل والعقلانية والنظام العقلاني للعالم الطبيعي"..."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت