وإذا كان المقصود من حديث المؤلف هو العوامل النفسية والاقتصادية التي رافقت الحروب الصليبية، وهجمات المغول، وسيطرة العسكر المماليك فبهذا محق فيه، ولكنه هو نفسه ينقضه فيما بعد، ويقول إن الحروب لا تؤخر المسيرة العلمية، ويستشهد على ذلك بما تم في الحربين العالميتين: الأولى والثانية.
ولم يراع الفرق بين العهدين... ففي عصرنا الحاضر توجد مؤسسات راسخة مهمتها البحث العلمي في الحرب وفي السلم. أما في العصور القديمة، فلم يكن لكل هذا وجود، لذلك تقلص عدد طلاب العلم في أثناء هذه الحروب، علاوة على قلتهم. وهذا عامل آخر أضيف إلى عوامل عدم التنظيم التي تحدثنا عنها في مواضع أخرى (6) .
لنتحدث أخيرًا عن أسطورة المنهج التجريبي: إن ما قاله توبي هاف عن هذا الأمر، يدل على عدم معرفة صحيحة ودقيقة بحقيقة الأمور. فالمسلمون ا تبعوا المنهج التجريبي في العلم. ولكن ما فائدة التجربة إن لم تكن موجهة نحو غاية معينة نريد التأكد من صحتها، أي من فرضية؟.. فابن الهيثم ابتكر وسيلة لدراسة انعطاف (أي انكسار) الضوء تجريبيًا، ولكنه لم يتوصل إلا إلى نتيجة هزيلة. والسبب في ذلك هو أنه تخلى عن فرضيته التي أثبتت صحتها في حالة الانعكاس. لأنه لم يتمتع بالجرأة والتصميم على التمسك بها. ولو أنه فعل لتوصل على الأرجح إلى نتيجة، وإن لم تكن كاملة، ولكنها كانت ستكون قريبة جدًا من الحل الصحيح. وسنبين فيما بعد بعض الأسباب التي منعته من ذلك. والغريب أن توبي هاف، المطلع على أعمال كارل بوبر، ينسى هذه الحقيقة الهامة، وهي أن التجربة من دون فرضية، لا أهمية لها.أو على الأقل إنها شبه عاجزة (7) . وإذا كان للمسلمين مساهمة في تحقيق خطوة نحو المنهج العلمي الصحيح، فهي في المجال التجريبي.
اعترافات هاف ونقده الذاتي: