ولقد تمّيز العلماء اليونانيون عمن سبقهم من علماء الشعوب الأخرى، فعرضوا أفكارهم الهندسية مقرونة بالبراهين المنطقية المؤكدة لها. في حين كان البابليون والمصريون، السباقون إلى الحضارة، يعرضون، كما هو حال المسلمين بعدئذٍ، طرق الحل والقواعد وحتى النظريات الهندسية من دون براهين، حتى أن العلماء عجبوا أشد العجب من اتباع البابليين قواعد تشبه جدًا الخوارزميات التي تعمل الحواسيب بموجبها، معتمدين ـ ربما ـ على أن المتلقي قد يفهم ذلك بحدسه وفطنته لو أراد. وهكذا ظلت الحضارات الغربية (اليونانية وأوروبة الغربية) متميزة عن الحضارة الشرقية في هذا الميدان. وربما كان هذا ما دعا إلى وصفهم أنهم عقلانيون، ولكن هل كان ذاك الذي وضع هذه الخوارزميات لا عقلانيًا؟...
هل كان الإسلام مسؤولًا؟
مما سبق يتبين أن المؤلف أقرَّ بانتشار المعرفة والعلم في العالم الإسلامي، وبأن هذا المجتمع بزَّ كلَّ المجتمعات التي عاصرته في مجال العلوم والبحث العلمي. ولكنه يقول في ص 113،
تحت بند (البناء التنظيمي والمشكلة الهامشية) ،"لم يدخل العلم اليوناني إلى العالم الإسلامي كقوة غازية، سواء عن طريق الاسكندرية أو إنطاكية، وإنما كضيف مدعو، والذين استدعوه ظلوا على تحفظهم وبعدهم لأمر مهم هو الدين". ثم يضيف فورًا"ثم أخلى التحفظ والبعد في المرحلة الثانية مكانه لدرجة عالية من حب الاستطلاع والبحث التجريبي".
إن التناقض الذي وقع فيه المؤلف، والذي أراد أن يرتيه بعبارات"دخول الضيف"ثم"درجة عالية من حب الاستطلاع والبحث التجريبي"، راجع على الأرجح إلى فكرة ثابتة لدى المؤلف يريد تأكيدها بأي ثمن، وهي أن الدين كان عاملًا من عوامل تباطؤ العلم الإسلامي، وقصوره عن التحول إلى الحداثة. والغريب أن الكثيرين يعتقدون بذلك. والمؤلف نفسه لم يورد مثالًا واحدًا مقنعًا يؤكد فيه وجهة نظره، اللهم إلا في مجال الفلسفة.