فهرس الكتاب

الصفحة 17771 من 23694

وهذا خلاف ما جرى خلال القرن الرابع عشر الميلادي في أوروبة، حينما بدأت الحاجة إلى معرفة بدقائق تكوين الآلات التي تحركها طاقة الرياح أو الحيوان أو مساقط المياه، أو تشبيك المسننات، أو تغيير اتجاه الحركة وحساب السرعة. ولهذا حديث آخر سنورده، فيما بعد، ولكن حديثنا عن العلم والدين لم ينته، فمازالت هناك ملاحظة مهمة بشأنه. وهي أن المؤلف توبي هاف لم يورد حادثة واحدة اصطدم فيها العلم مع الدين. و السبب واضح، وهو أن علوم المسلمين لم تبلغ المرحلة التي كان من الجائز أن تخلق حساسية للدين على نحو ما حدث يوم نُشر كتاب كوبرنيكوس حول مركزية الشمس، فقُلبت الحقائق المتوارثة رأسًا على عقب، إذ جُعلت الشمس في مركز الكون بدلًا من الأرض التي كان يعتقد بأنها مركز العالم، ولا أذكر أن أحدًا قد احتج على ذلك؛ ولم يثر ذلك جدلًا فيما أعرف، وربما كان ذلك لقلة المطلعين على الأمور العلمية. ولقد اصطدم العلم مع الدين مرة ثانية في أوروبة، وحتى في العالمين الإسلامي والمسيحي، وذلك يوم شاعت نظريات التطور التي اعتبرت منافية لفكرة الخلق.

أما في العالم الإسلامي، فلم يحدث شيء من ذلك أبدًا، وإذا كان بعض الفلاسفة والمفكرين من المسلمين قد حوربوا في بعض العهود، فقد كان ذلك بسبب التخلف والإحباطات التي أصابت العالم الإسلامي، وبخاصة نتيجة الفساد السياسي، وأنظمة الحكم وضعفها، والتعرض للغزوات من الشرق ومن الغرب. وفي مثل هذه الأحوال ينصب غضب العامة على كل شيء غير الدين، معتبرين إياه خروجًا وكفرًا. ثم تفشَّى الجهل، مما أضاع فرصًا كثيرة سنحت للأخذ بالتفسير الموصوف العقلاني، كالذي نجده عند ابن خلدون والمقريزي وابن الشاطر وكمال الدين الفارسي وغيرهم. أما في بداية العصر الإسلامي (القرن الثاني الهجري بوجه خاص) ، فقد اقتنع المسلمون بكروية الأرض، وقاسوا نصف قطرها، ولم نسمع أحدًا قد ثار أو أنكر قول العلماء أو سفَّه آراءهم بحجة من القرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت