العقلانية بين الإسلام والغرب:
وينتقل المؤلف بعد ذلك إلى الحديث عن العقل والعقلانية بين الإسلام والغرب. مستهديًا بمقولة ماكس فيبر عن الدين (ص 135) ، بأن"مصادر العقل والعقلانية في أية حضارة، إنما تُلتمَس في الدين والفلسفة والقانون".
تُرى ما مدى صحة هذه المقولة؟ لا شك أن دين أمة من الأمم يعبر عن عقلية هذه الأمة، ولكنه ليس المكوِّن الأول لهذه العقلية؛ وحتى لو أحدث الدين بعض التغيير، فهو لن يكون مناقضًا كليًا للعقلية الموروثة. لأن الدين لابد أن يأتي وفق ما يناسب عقلية الأمة ومستواها الفكري. وإذا كان الدين قد سعى إلى تغيير بعض مزايا هذه العقلية، فهو لن يغيرها فجأة ولا كليًا. وستظل آثار هذه المزايا ماثلة أبدًا، وسرعان ما تعود إلى طبيعتها. فالعرب لم يتخلوا نهائيًا عن قبليتهم الجاهلية، وإن خفت وطأتها. كما أن الغرب لم ينسَ أبدًا قدرته على تكييف أدواته. ومن ينظر إلى الدروع التي كان يرتديها المحاربون القدماء لابد أن يعجب من قدرة هذا الصانع الذي صنعها، وبمثل هذه الدقة في تكييف المعادن والتعامل معها. كما أن نظرة الغرب إلى التباين الطبقي لم يغيِّر فيها الدين المسيحي الشيء الكثير.
صحيح أن الأسرى والعبيد المارقين لم يعودوا يوضعون في مواجهة الضواري، أو الاقتتال حتى الموت، ولكن العنف الروماني المعهود لم يزل كامنًا في النفوس. كما أن الدين، والأحرى الحضارة، لطفت منه وجعلته يأخذ صورًا ملتوية. ومن يراجع كتاب ضرورة العلم، يجد أمثلة تؤكد ذلك واستمراره حتى عهود متأخرة, وكلنا نعرف كيف كان الإقطاع يعامل فلاحيه.