أما في مجال العلم، فقد كان أثر هذه الظاهرة غير مستبعد كليًا، وبخاصة أن المسلمين توارثوا وضعية متأصلة، (في الشرق عامة، وعند الغرب بوجه خاص، نظرًا لما ورثوه من بيئتهم الصحراوية) ، وهذا ما جعل فكرهم يقف عند المحسوس الظاهر، دون البحث عن العلل والروابط الخفية التي تلقي الضوء على هذا الواقع وتزيل شيئًا من غموضه. وعلى الرغم من ذلك فقد استطاع المسلمون تخطي واقعهم هذا في العديد من المواقف، وإلى حد لا بأس به، وأعمال الحسن بن الهيثم، وكمال الدين الفارسي، وابن النفيس، وابن خلدون، وجابر بن حيان، وفخر الدين الرازي، وأبو البركات بن ملكا البغدادي، وغيرهم... فيها شواهد على ذلك. على أن هذه اللمحات لم تدعمها ممارسة جدية مع الواقع الفيزيائي المتمثل في التكنولوجية، مما كان سببًا في عدم التوصل إلى مفاهيم واضحة محددة، على غرار ما حدث في مطلع فجر النهضة في أوروبة وبعده...
ولكن المؤلف أراد أن يوحي لنا بشكل أو بآخر بأن حتمية الشرائع الدينية، والتي لا تقبل النقاش، هي التي انتقلت إلى المجالات الأخرى. وعلى الرغم من أن معرفتي بأمور الشرائع قليلة، فأنا أستطيع أن أؤكد أن نقاشًا دار حول كثير من أحكام الشريعة، وإلا فمن أين ظهر اختلاف الأئمة عند المسلمين؟. أما القول بأن عدم النقاش في الشرائع قد انتقل آليًا إلى عدم مناقشة موضوع الضوء، فهذا مالا يمكن أن يقبل به إنسان، لذلك، كان الأحرى بالمؤلف أن يبحث عن أسباب غير هذا السبب، أي غير الدين الذي يعده مسؤولًا أولًا وأخيرًا. وانطلاقًا من هذه الفكرة الثابتة، يحاول المؤلف البحث عن حجج بعيدة نوعًا ما عن الواقع، أو مغالط فيها، ولكنها تجره مرغمًا إلى مقاربة الحقيقة، وما أن يضع يده عليها حتى يبتعد عنها.