ومهما يكن من أمر، فمما لا شك فيه أن الغرب أولى أمور الطبيعة والتفسير الفيزيائي أهمية لا تنكر، ولكن ذلك راجع إلى احتكاكهم الأشد بالآلات والأدوات والصناعة. وهذا ما يورده المؤلف ذاته في قوله (ص144) ،"وقد صاحب ذلك تطور اقتصادي هائل، ليعزز ما يحوم في الجو من فكر وخيال"، وإننا لنتساءل: هل التفكير العقلاني يوفر المناخ للاقتصاد المزدهر، أم الاقتصاد المزدهر يوفر المناخ للتفكير والتأمل؟، وبخاصة أن الطبقة الفتية غير الأرسطوقراطية كانت قد بدأت تبحث عن موارد للثروة لترفع من شأنها، فحارب كثير منهم، ومن طبقة الفلاحين، في صفوف الصليبيين، لا دفاعًا عن الدين، بل بحثًا عن الثروة والجاه. ومنهم من وجد ضالته في أرض غريبة، فآثر البقاء، وكلنا نعرف بعضًا من هؤلاء الذين أصبحوا جزءًا من الطبقة الإقطاعية في بلاد غريبة اللسان عليهم، ثم تأقلموا معها، وكان منهم من اعتنق الإسلام. أما الذين عادوا إلى ديارهم، فقد حملوا معهم انطباعات عن مجتمع يختلف كثيرًا في مفاهيمه عن مجتمعهم، ونقلوا عنه الكثير في مجال الصناعة والفكر.
وينهي المؤلف هذا الفصل"العقل والعقلانية...". بخاتمة يَرِدُ فيها قولٌ للمؤلف، فيه من الربط غير المحكم الشيء الكثير. فهو يقول (ص 163) ،"لم تكن المسيحية في الغرب مبرأة من الخوف من ابتكار يوصف بالهرطقة، أو من وسائل استئصاله. ولكن ما إن شرعوا في استخدام قضايا تتعلق بالعالم الطبيعي، حتى انبثقت قوة جديدة ومساحة أكثر استقلالًا من حرية الفكر". ولقد ردَّ المترجم على هذا القول، ولكننا نضيف إلى ردِّه: ترى لماذا هذا الشروع في استخدام قضايا تتعلق بالعالم الطبيعي؟ فالمؤلف أوردمثالًا عن هذه الحرية بتوجيه بعض النقد للكتاب المقدس. ولكن هذاوحده لا يكفي. كما لم يبرر المؤلف هذا الشروع، ولا صلته بالحرية، بل راح يتحدث قبل ذلك (وبعده) حديثًا مطولًا عن الثورة القانونية.