فهرس الكتاب
فهذه صورة معادة من أيامهما عكس الشاعر تكرارها بقوله: (كم بنينا من حصاها أربعًا..) ويُتْبَعُ ذلك بمشهد آخر يقوم بالعطف على معنى التكثير في (كم) بالبيت السابق، ومؤداه وكثيرًا ما خططنا في نظيف الرمل بيوتًا، وخططًا للمستقبل، عندما تصبح ليلى أمًا لأولاده في الحلم الموعود أو الموهوم، وكم أشبعا هذا الحلم بخطه وخط وقائعه على الرمل النظيف -نظافة نياتهما- في سفح جبل التوباد حيث تلتقي الصحراء بالخصب على الربوة والعطاء فيها، لكن الصدمة أن الرمل لم يعِ شيئًا مما خطَّاه عليه، وأن الريح هبت على الرمل، فأخذت تلك الكتابة ودفنت حروفها بالبعثرة والتفريق بينها، كما فرقت الحياة بين المجنون وليلى، أو أنها جمعت الرمل بعضه على بعض فلم تعد للحروف آثار في الرمل تدل عليها أو تثبت وجودها، أو كأن ليلى كالرمل لم تقو على حفظ ما كتبه في روحها ونفسها وعقلها من حلمه بها في المستقبل فقد هبت عليها ريح التقاليد، والريح رمز للشرف فبعثرت الحروف وضيعت الكلمات ومعانيها، هذا لأن ليلى عنده لم تكن سوى طفلة لا تعي معنى العهود ولا يلزمها الوفاء بها أمام سطوة المجتمع والتقاليد.
فمن عبقرية شوقي أنه ربط بين فعل الطبيعة بما خَطَّاه على الرمل في البيئة الصحراوية المتحركة في كل أبعادها المناخية القاسية، وما فعلته ليلى بهذه العهود فكان حالها كحال الخط على الرمل أمام الريح.
والشاعر يرى أن ليلى لم تزل بعينه طفلة الأمس، البريئة مما يرميها به من خيانة للعهد، أو خلف للوعد، وكل ما في الأمر أنها زادت طولًا، ولم تزد وعيًا أو عقلًا.
فكأنه يرميها بعلته، كما رمى المجنون الجبل بعلته فأخرجه من حيزه في عالم الجماد، وجعله يتكلم كما يتكلم الأحياء..