فهرس الكتاب
هذه التطلعات العربية الخالصة هي التي رسخت الألفة بين سيف الدولة وأبي الطيب المتنبي، هذا بسلاحه وسلطانه، وذاك بشعره وبيانه، فالتقيا على غاية موحدة وهدف مشترك، واتخذ أمير السيف من أمير القلم صوتًا إعلاميًا يفصح بكل صدق وإخلاص عن التوجهات السياسية للدولة التي قامت على منهج في التفكير، وأسلوب في العقيدة، وانطلاقة نحو تأسيس كيان. ... إلى بساطك لي سمعٌ ولا بصر
ولقد كان أبو الطيب، تنفيذًا لهذه المهمة الإعلامية التي اختص بها دون غيره من شعراء البلاط الحمداني، يسارع إلى حضور معظم المعارك التي كان يقودها سيف الدولة، وكان سيف الدولة قد أوصى من يعلم أبا الطيب ركوب الخيل وحمل السلاح وخوض الغمرات لكي يكون لسان صدق لا تفوته واقعة ولا يغيب عنه حدث، فإذا تخلف أبو الطيب عن إحدى المعارك لأمر طارئ استدعاه سيف الدولة بعد ذلك وروى له تفاصيل تلك المعركة وما حققه من ظفر على الأعداء، بل إنه كان يستدعيه لحضور مجالسه العسكرية، ويجعله من بين مستشاريه، فقد وصل مرة رسول ملك الروم للاجتماع بسيف الدولة، فلم يتمكن أبو الطيب من الحضور، فعاتبه سيف الدولة على تأخره وانقطاعه، فأنشده أبو الطيب ارتجالًا معللًا سبب غيابه:
تزاحم الناس حتى لم يجد سببًا
فكنتُ أشهدَ مختص وأغيبه ... معاينًا وعياني كله خبر
وما كان مع ذلك يتحرج من ذكر الهزائم التي قد يمنى بها سيف الدولة، ففي عام 339هـ ينتصر الروم في إحدى الوقائع ويأسرون بعض الجنود، فيعزو شاعرنا هذه الهزيمة إلى تقاعس الجيش وضعف همته، ويذكّر الروم ببطولات سيف الدولة وانتصاراته التي لا تنسى فيقول: ... خانوا الأمير فجازاهم بما صنعوا
قل للدمستق إن المسلَمين لكم
لا تحسبوا من أسرتم كان ذا رمق ... فليس يأكل إلا الميتَ الضبع
هلا على عقب الوادي وقد صعدت ... أُسد تمر فرادى ليس تجتمع
تشقكم بقناها كل سلهبة ... والضرب يأخذ منكم فوق ما يدع