فهرس الكتاب
لقد كان بين الشاعر والأمير ثقة متبادلة ومودة ثابتة تفوقان ما كان بين الشعراء والممدوحين من روابط ووشائج، وإنا لنسمع من أبي الطيب شعرًا يخاطب به سيف الدولة ما هو بالمديح المعهود ولا هو بالثناء المأثور، وإنما هو النجوى الصافية التي لا تنبعث إلا من قلب المتيمين ولسان العاشقين، كما في قوله: ... وإذا مدحتك حار فيك لساني
فإذا رأيتك حار دونك ناظري
وإذا كنت قد بسطت القول في شخصية أبي الطيب وتكوينه النفسي والفكري، فإنما ذلك توطئة وتمهيد لشرح الموقف الصعب الذي وجد أبو الطيب نفسه مضطرًا إلى أن يكون في قلبه، وأن يكون فيه طرفًا فاعلًا لا مجرد مراقب صامت، وذلك الموقف يتلخص في تلك الخلافات التي استعرت بين سيف الدولة وفئة من المعارضين لنظام حكمه من بعض القبائل العربية. ... فمتى الوعد أن يكون القفول
إلا أننا لا نملك معلومات كافية عن التنظيم الإداري والعسكري والاقتصادي الذي كانت تقوم عليه دولة بني حمدان في حلب، فإن مثل هذه المعلومات إذا تم الوصول إليها كفيل بأن يعيننا على تفسير بعض الظواهر التي تنجم عن ط بيعة العلاقة بين السلطة والرعية، ومن بين هذه الظواهر ما كان يقوم بين الحين والحين من فتن داخلية وثورات قبلية كانت تقض مضاجع سيف الدولة، وتعرقل حروبه مع الروم وتفرُّغه لحماية الثغور من هجماتهم المتوالية. وقد خص المتنبي هذه الحوادث الخطيرة بثلاث قصائد من ديوانه كان فيها مع شدة حذره وبعد نظره شديد الإكبار لقدرة سيف الدولة على قمع هذه الفتن وصيانة الجبهتين الداخلية والخارجية في آن واحد، وهذا ما عناه أبو الطيب حين بعث إليه من الكوفة سنة 351هـ بقصيدة فيها من عذوبة التعبير وفيض الوجدان وتوهج العاطفة ما ينبئ بعظم الحسرة على فراقه، وفيها يقول له:
أنت طول الحياة للروم غاز
وسوى الروم خلف ظهرك روم ... فعلى أي جانبيك تميل