فهرس الكتاب
2-ليس في وسعنا أن نقدر النفقات الباهظة التي كان ينفقها سيف الدولة في سبيل تجهيز جيشه بالسلاح والمؤن والعتاد وغيرها من لوازم الحرب، إلى جانب مرتبات جنوده وأعطيات غلمانه، بالإضافة إلى ما كان يحتاج إليه من مال يغدقه على الشعراء والأدباء وأهل العلم، أو يبني به قصوره وحصونه، فمن أين كانت تأتيه هذه الموارد، وما هي سبل جبايتها وتحصيلها؟ لقد روت كتب التاريخ أن سيف الدولة كان يبيح لنفسه اقتطاع ما في أيدي الرعية وجيوبهم من أموال يختزنونها، أو أراض يجنون خيراتها، أو تركات يخلفونها، لينفق ذلك كله في غزواته المتلاحقة، أو في دعم أبهة الملك، أو في رعاية الفنون والآداب من غير حساب، وكان يستعين على ذلك بقاض جائر مستبد يستصفي أموال الناس بحق وبغير حق، هو أبو الحصين علي بن عبد الملك الرقي، فإذا مات أحد من الناس استولى على ميراثه، وضمه إلى خزينة الدولة قائلًا:"كل من هلك فلسيف الدولة ما ملك، وعلى أبي الحصين الدرك". وتشاء الأقدار أن يقتل هذا القاضي في إحدى المعارك الحربية. فلما كان الأمير الحمداني يتفقد ضحاياه من جنده وقواده في أرض المعركة، بصر بجثة أبي الحصين هذا بين القتلى، فداسها بسنابك جواده وهو يقول:"اذهب لا ردك الله، فقد كنت تزين لي وجوه الباطل". أفلا يمكن أن تستثير مثل هذه الطرائق في الجباية تساؤلات صامتة لا تلبث أن تتحول إلى اعتراض غاضب.