فهرس الكتاب
3-كان سيف الدولة يعتمد على القبائل العربية في إعداد جيشه بالرجال المقاتلين، لما كانوا عليه من شجاعة وحمية ودربة على القتال، فهم الذين شاركوه في هجماته على الإخشيديين، في انتصاره عليهم مرة، وفي فراره منهم مرة أخرى. وهم الذين كانوا له خير عون في حماية الإمارة الحمدانية والثغور الإسلامية الشمالية من غارات الروم وتحرشاتهم المتوالية، ولما وقع بعض منهم في الأسر وزجوا في سجون الروم سارع سيف الدولة مدفوعًا بنبل القائد العسكري وشهامته إلى فك أسرهم وإعادتهم إلى أوطانهم بعد أن دفع فديتهم خمسمئة ألف دينار من ماله الخاص. إلا أنه كان يرهقهم من أمرهم عسرًا، فما يكاد يرجع من غزوة حتى يتجهز لغزوة أخرى، فما كان في وسع هؤلاء الجنود أن يتحملوا مشقة هذه الحروب المتتابعة، وأن يجدوا فرصة يستجمون فيها ويستريحون من عناء الجهاد ( [1] ) ، وأنى لهم همة كهمة سيف الدولة وعزيمة كعزيمته، وهذا ما أشار إليه أبو الطيب بقوله:
يكلِّف سيفُ الدولة الجيشَ همَّه
ويطلب عند الناس ما عند نفسه ... وذلك ما لا تدعيه الضراغم
فلا يستنكر أبدًا أن نرى بعض هؤلاء الجنود يفرون من المعارك متعبين، ناقمين على الأمير نزواته التي لا تشبع وغروره الذي لا يرتوي، فكانت فلولهم تلجأ إلى قبائلها وقد أعياها الجلد والمصابرة لتشعل نار الفتن والثورات ابتغاء التخلص من القائد الذي كان معروفًا بالحزم في إدارة الجيش، والعزم على مواصلة الجهاد. وليس لنا هنا أن نناقش وعي الدهماء السياسي وضرورة تجاوزهم هذا الواقع الصعب من أجل الذود عن الحدود وحفظ الكيان العربي من الاندثار والبيود، فمثل هذه الأمور لا بد أن يقع في كل بلد تستمر فيه حالة الحرب ردحًا من الزمن فتنهك أفراده وتزعزع اقتصاده. ... بالصافيات الأكوبا
(1) (( ) )- وقد روى ابن خالويه أن سيف الدولة كثرت وقائعه في كل صقع، فبرمت به القبائل، وتحالفت على مخالفته وقتاله.