فهرس الكتاب
فهذه العوامل الثلاثة مجتمعة بالإضافة إلى غيرها هي التي كانت وراء تشقق الجبهة الداخلية، ووراء ما يسمى بالمعارضة المسلحة، مما أدى إلى تصدع البنية الاجتماعية التي يحتاج رأبها إلى مدة طويلة من السلام والاستقرار، فكان سيف الدولة لا يكاد ينصرف من قتال الروم حتى يلتفت إلى ملاحقة هذه القبائل وإخماد هذه الفتن.
فما موقف شاعرنا المتنبي من ذلك كله؟ أكان يراقب هذه الأحداث ويسكت عنها ممالأة لسيف الدولة وحرصًا على استكمال المسيرة والوصول إلى استقلال الحكم العربي وتحقيق الآمال المنشودة. وهل كان بوسعه أن يظل محايدًا في هذا الأمر وهو شاعر الأمير المفضل، وأن يتردد في مباركة انتصاراته على هذه القبائل وتصوير هزائمها المخزية أمام عزيمته التي لا تلين وبأسه الذي لا يقهر. أم كان يخوض غمار هذه الأحداث ابتغاء الإصلاح ورغبة في الائتلاف.
لقد كان أبو الطيب وهو يشهد هذه الأحداث في موقف محرج ومضيق صعب، وذلك لسببين اثنين:
أولهما أنه كان يستصحب بعض أفراد هذه القبائل ويختلط بهم، وكان له منهم أحباء وندماء يجالسهم في أوقات السمر ويحاورهم في ساعات الصفاء، يؤيد ذلك قوله لبعض بني كلاب وهو معهم على مائدة الشراب إذ دعوه لمشاركتهم:
لأحبتي أن يملؤوا
وعليهم أن يبذلوا ... وعلي ألا أشربا
حتى تكون الباترا ... تُ المسمعاتِ فأطربا
وثانيهما أن أبا الطيب كان يدرك إدراكًا تامًا أن جيش سيف الدولة مكون في معظمه من أفراد هذه القبائل العربية الخالصة العروبة، وأنه طالما استنجد بهم في غزواته ومعاركه، فما كان منهم إلا المناصرة وحسن الانقياد، فكيف سيكون الأمر إذا قسا عليهم واستأصل شأفتهم، وتركهم وفي صدورهم من الحقد والضغينة ما يجعلهم يخرجون عن طاعته ويرفضون الانصياع له والاستجابة إليه. ... بأرماح من العطش القفارُ