ولكن أبا الطيب شاعر فذ ومفكر ملهم، يعرف كيف يخرج من مثل هذه المآزق المحرجة والمواقف الوعرة بسداد رأي وحسن تدبير، فنراه يسارع إلى مهمته الإعلامية من غير أن يعزل رأيه الشخصي ونظرته النافذة، فيمتدح سيف الدولة، ويكبر بطولاته، ويبتهج بانتصاراته على هذه القبائل.
ففي ديوانه تطالعنا ثلاث قصائد بسط فيها الشاعر هذا الموضوع الخطير بسطًا محكمًا، وعرضه عرضًا مفصلًا، وأيده بحسن الأداء وجمال البناء، مما يعد وثيقة تاريخية مهمة صدرت عن شاعر شاهد مصور، عاش في كنف الدولة الحمدانية تسع سنوات كان له فيها شأن عظيم ومنزلة رفيعة، وكان مباحًا له أن يشهد وقائع هذه الدولة على الصعيدين العسكري والمدني، وهي على كل حال وقائع مشرفة تدعو إلى الزهو والاعتزاز.
وأولى هذه القصائد كانت سنة 342هـ يوم أوقع سيف الدولة ببني عُقَيل وقُشير وبني العجلان وبني كلاب ودحر جموعهم بعد أن تناصروا على حربه وتحالفوا على قتاله، فقال أبو الطيب وقد بدأ قصيدته بمدح سيف الدولة وتصوير هزائم هذه القبائل أمامه:
إذا فاتوا الرماح تناولتهم
يرون الموت قُدَّامًا وخلفًا ... فيختارون والموت اضطرارُ
وأجفل بالفرات بنو نمير ... وزأرهم الذي زأروا خوارُ
وأضحى بالعواصم مستقرًا ... وليس لبحر نائله قرارُ
إلا أن أبا الطيب بعد أن يستوثق من أن نفس الأمير استراحت إلى هذا المديح وطربت لهذا الوصف إذا به يدفع بأبياته إلى الهدف الذي يضمره والمطلب الذي يخطط له، ابتغاء المحافظة على صفوف المواجهة متلاحمة متماسكة، والروم على تخوم البلاد يتهددون ويتوعدون، فيأخذ باستعطاف سيف الدولة واستثارة وجدانه، ويدعوه إلى العفو عنهم والتجاوز عن تمردهم، ويذكّره بأن أولادهم سيكونون في قادم الأيام أجنادًا لأولاده، فيخاطبه قائلًا: ... فأول قُرح الخيل المِهار
لعل بنيهم لبنيك جندٌ
وأنت أبرُّ من لو عُق أفنى ... وأعفى من عقوبته البوار
وأقدر من يهيجه انتصار ... وأحلم من يحلِّمه اقتدار