وإن ربط التمكين في الأرض بصلاح الناس الممكّن لهم مع الله والناس سنّة شرعية لأن الشرائع جاءت لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل والتمكين للأشرار مخالف للهدف من الرسالات والشرائع وهذه المعاني أطبقت عليها كل الشرائع السماوية والأرضية وكل العقول.
وقد نصت التوراة على هذه السنة بعبارة أخرى أخصر مما ذكرت سابقًا وهي:"فاعلم أن الرب إلهك هو الله الإله الأمين الحافظ العهد والإحسان للذين يحبون وصاياه إلى ألف جيل والمجازي الذين يبغضونه بوجوههم ليهلكهم" (35) . فالعلاقة تبادلية يحفظون عهده فيحفظ عهدهم. ونفس المعنى قاله الله لهم في القرآن كذلك: يَا بَنِيْ إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِيْ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُون (36) .
كما نجد التوراة تقطع أطماع اليهود بتملك الأرض بمجرد النسب والانتماء، ففي مزامير داود نجد قوله:"الصدّيقون يرثون الأرض" (37) ، وهذه من أوضح العبارات. بل قال تعالى في القرآن إنه أنزل هذا المعنى على داود فقال: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِيْ الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (38) . ومعلوم أن الزبور كتاب داود عليه السلام فقد قال تعالى: وءاتينا داود زَبورًا
(39) . وفي هذه إشارة إلى أن عبارة المزامير المنسوبة إلى داود من بقايا كتاب داود) والله أعلم.
وبالنسبة للقرآن فالتمكين للصالحين أمر مفروغ منه وآياته كثيرة كالآية السابقة، وقوله تعالى: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون (40) .