وبقي أن نقول بأنه يفهم من هذه النصوص أن الصالحين وإن ورثوا الأرض فهذا لا يكون إلى الأبد بل يبقون فيها ما داموا على الشرط الذين دخلوها به وهو الصلاح، فإن ذهب الصلاح ذهبت الأرض, وبمعنى آخر أن الله يبتلي عباده قبل التمكين في الأرض وبعد التمكين في الأرض.
وهذا المعنى الموجود في توراتهم موجود أيضًا في القرآن وموجه كذلك لبني إسرائيل على لسان موسى: قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين قالوا أؤذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون (41) . في قوله: العاقبة للمتقين. فيه التمكين للصالحين بعد ابتلائهم بمرحلة الضعف. وفي قوله: ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون. فيه ابتلاؤهم بعد التمكين بالنظر إلى أعمالهم، وفي هذا تحذير واضح من أن يفقدوا بمعاصيهم مانالوه بطاعتهم.
عهودهم من خلال القرآن:
القرآن لا ينظر للإنسان من حيث جنسه وقوميته وإنما ينظر له من خلال عقيدته. قال تعالى:
وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم (42) .
ولهؤلاء الأتقياء يكون التمكين في الأرض لأن في التمكين لهم يسود العدل والدين معًا ويأمن الناس على دينهم ودنياهم. قال تعالى: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون (43) . ولا مانع لدينا أن يكون الصالحون من بني إسرائيل أيام كانوا مسلمين مفضلين على العالمين، كما لا مانع لدينا أن يدوم التمكين لهم في الأرض ماداموا مسلمين آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر حافظين لحدود الله وعادلين بين عباده.