وطالما أن القوم فسقوا على أبواب الأرض المقدسة وبدأ عذاب الله يلاحقهم إِذًا لم يتوسعوا كثيرًا على الأقل في الفترة الزمنية التي دخلوا بها الأرض. والذي أريد أن أصل إليه من وراء هذا أن الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم وأمرهم بدخلوها ليست كل بلاد الشام بل ولا كل فلسطين وإنما هي قرية من قرى فلسطين لأن معنى قرية) في الآية السابقة بيت المقدس"عند جمهور المفسرين" (69) . والدليل كذلك أن الله أمرهم بقوله حطة) وأحد أبواب بيت المقدس يسمى باب حطة) إلى يومنا هذا.
ويعكر على هذا الكلام آيتان:
ـ الأولى: قوله تعالى بعد أن ذكر إغراق فرعون وجنده:
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّّتِيْ بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (70) .
قال القرطبي في تفسير: مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغارِبَهَا: الظاهر أنهم ورثوا أرض القبط. والأرض هي أرض الشام ومصر (71) . وقال الزمخشري: أرض مصر والشام، ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة (72) . ولإزالة ما يوهم التعارض أقول:
1 ـ هناك فرق كبير بين الآيتين: السابقة التي كتب الله لهم فيها الأرض المقدسة وهذه الآية. فتلك كانت بلفظ: كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وهذه بلفظ: أَوْرَثْنَا. وفرق كبير بين اللفظين ودلالتهما، فالله ربط وراثتهم الأرض هنا بصبرهم فقال: بِمَا صَبَرُوا مكافأة لهم، بينما ربط الأرض التي كتبها لهم بجهادهم للجبارين وأخذها عنوة، ومعلوم أن جهاد بني إسرائيل إنما كان لدخول الأرض المقدسة التي فسرناها بالقرية. أي بيت المقدس. وهكذا نكون قد جمعنا بين الآيتين.