فهنا الآية: { هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم } ( [19] ) جاءت في موضعها من السجع، تزين كلام أبي زيد، وتجعل السامع يتلهّف على سماع الباقي، فيكون السؤال منهم لمتابعة القصة!
كما نقرأ أيضًا:
"... وقال أتدرون ما هي * هي والله حِرْز السَّفْر * عند مَسِيرهم في البحر * والجُنَّة من الغَمّ * إذ جاش موج الْيَمّ * وبها استعصم نوح من الطوفان * ونجا من معه من الحيوان * على ما صَدَعَتْ به آيُ القرآن * ثم قرأ بعد أساطيرَ تلاها * وزخارفَ جلاها . . . * وقال: { اِرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهاَ وَمُرْساَهاَ } ( [20] ) ."
فجاءت الآية كسابقتها من حيث إفادة الموسيقى والتزيين اللفظي.
والاقتباسات القرآنية المذكورة أعلاه استخدمت في كلام أبي زيد، وهو يكمل خطبته أو وعظه أو كلامه، كقمة منطقه، ولكن مقدرة الحريري تبرز في تضمين كلام الله تعالى في خطب أبي زيد (كلامه هو) فلا تكاد تجد تنافرًا بين هذا التضمين - الاقتباس وكلام أبي زيد كما رأيت.
ونلاحظ الاقتباسات القرآنية في كلام الراوي الحارث بن همام أيضًا، ونضرب مثالا من المقامة السمرقندية ( [21] ) ، (وهذه المقامة تتضمن وقوف أبي زيد بربوة يخطب خطبة عَرِيّة من الإعجام) :"تخَيَّرْتُ الْمَرْكَزَ لاِسْتِماعِ الخُطْبَة * ولم يَزَلِ النَّاسُ يَدْخُلُونَ في دِينِ الله أَفْوَاجا * وَيَرِدُونَ فُرادَى وأَزْوَاجا ..." ( [22] ) ، كما نلاحظ هنا أن الراوي ذكر بعض الآية الكريمة {ورأيت النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أفْوَاجًا } ( [23] ) ، ثم أتبعها بكلامه في سجع لطيف.