تفطن اللغويون العرب القدامى في وقت مبكر إلى فكرة الحقول الدلالية من خلال تأليفهم للرسائل الدلالية الصغيرة والمتنوعة، التي ظهرت مع بداية التدوين ثم تصنيف المعاجم الموضوعية بعد ذلك في هذا الميدان.
وكان الهدف منها تعليميًا وعاملًا مساعدًا للكاتب والشاعر، إذ تمدهما المعاجم بالكلمات التي يريانها أكثر ملاءمة من غيرها للبحث عن ضالتهما وعرض أفكارهما في دقة وأناقة حول موضوع محدد (19) .
وتختلف أعمالهم عن مثيلاتها عند الغربيين في هذا العصر، لأسباب أهمها تغير الزمان وتطوره، وتوسع آفاق الدرس الدلالي، وعمق تقنياته بفضل التقدم العلمي والمعرفي، وليس فيما سبق ضير يلحق بما قدمه العرب القدامى الذين كانت لهم اليد الطولى في هذا الميدان، ولكن اهتمامهم المبكر بالرسائل ومعاجم المعاني لم يصل بطبيعة الحال إلى مستوى تأسيس نظرية قائمة بذاتها الحقول دلالية لأن عملهم كان تطبيقيًا أكثر منه تنظيريًا، وعلى الرغم من ذلك فإن التراث اللغوي العربي يحمل في طياته أفكارًا رائدة لا تزال في حاجة إلى من يزيدها دراسة وتحليلًا وتجديدًا.
ويكفي في هذا الصدد أن نذكر معجم المخصص لابن سيده لندرك التقارب بينه وبين المعجمات الموضوعية الحديثة التي تبنى على أساس الحقول الدلالية، على الرغم من الفارق الزمني الذي يفصله عنها، وهو عمل ضخم يضع صورة شاملة للغة العربية، فجمع الكلمات حول بعض المحاور الرئيسية المختلفة، ووضع ما يتعلق بالسماء والنجوم في فصل، وكذلك الأرض وأجواؤها، والإنسان وما يتعلق به من أسماء وأعضاء وصفات وأخلاق، ووضع النباتات وأنواعها في فصل وكذلك المسائل النحوية والصرفية، وهو عمل لا يخرج عن تطبيقات نظرية الحقول الدلالية.