6-دخول الرشيد إلى الرقة:
كأمٍ حنونٍ فتحت الرقة ذراعيها عام 180هـ/ 796م لتحتضن الخليفة المثقل بالهموم، عوّضت عليه ما فقده في بغداد، فجعلها بغدادًا جديدة، ولم يفارقها إلاّ لغزوٍ أو لحجٍ أو لأمرٍ جلل حتى خطفته المنون والأقدار وأبعدته عن بلوغ الأمل والأوطار أثناء زحفه لتأديب رافع بن الليث عام 193هـ/ 808م -809م.
لقد اتخذ الرقة موطنًا وتحركت العمارة وفي سائر أنحاء الجزيرة، فنهضت القصور المزخرفة والمحلات العامة والمدارس والمساجد والأسواق والمنتزهات، ونقل الصُنّاع فنون العمران من الرقة إلى مختلف الأصقاع، فذكر ابن حوقل: (لمدينة المهدية التي بناها عبيد الله بن المهدي في تونس بابان ليس لهما فيما رأيته من الأرض شبيه ولا نظير غير البابين اللذين على سور الرافقة، وعلى مثالهما عُمِلا ومثل شكلهما اتخذا) ( [23] ) .
وكانت أسواق الرقة عامرة منذ العصر الأموي، وللخليفة هشام بن عبد الملك الفضل في هذا، فله سوق كبير يسمى سوق العطارين إضافة لأسواق أخرى، وأشار الشاعر الأخطر إلى ذلك السوق بقوله:
إذا الرقة البيضاء لاحت فروجُها
وعُرِفَ السوق الرئيسي في الرقة في العهد العباسي باسم سوق هشام العتيق ونذكر من الأسواق الأخرى سوق الورّاقين وسوق الصاغة وسوق الحدادين والخزف... ... نشرت عليه جمالها الأيام
وبُنيت مصحات للمرضى"بيمارستانات"ودور لتخزين السلاح والعتاد ودور لتخزين المؤن ومستودعات للبضائع، وعلى رأس العمارات الفريدة والتحف الجديدة قصر السلام خارج سور الرافقة وهو قصر الخليفة أو القصر الأبيض /لطلاء جدرانه باللون الأبيض/ الذي يبدو للناظر حمامة بيضاء في مرجٍ أخضر، وضاهى فنه المعماري وسعته قصر الخلافة في بغداد المعروف بقصر الخلد.