ولقصر السلام نظام دقيق للمياه والصرف الصحي، وفيه أنظمة إدارية متبعة في توزيع الخدمات وتحديد أعمال رجال البلاط وعقد المجالس بأمر الخليفة وتقاليد في استقبال الوافدين وإجلاسهم حسب المراتب وفق نظام يعتمد على المناسبة ومكانة طبقة الوافد، ولألبسة رجال القصر أنظمة مرعية وللبلاط حرسه في ثيابهم الخاصة وأسلحتهم من سيوفٍ ورماحٍ لحماية شخص الخليفة ومراقبة الداخل والخارج وحفظ الأمن، ولكل حارس موقفه ومهمته، فضلًا عن الحجّاب، والمسؤول الأول عن إدارة القصر هو الحاجب الكبير يعاونه عدد من رؤساء المستخدمين.
وكانت فخامة القصر واتساعه وألوان النعيم فيه فتنة للأبصار تسلب ألباب الزوار وتفجر ينابيع الإلهام عند الشعراء وتمدهم برؤى جديدة ومفردات سلسة وتراكيب رقيقة وصور حسنة رشيقة، وتدفعهم إلى أشعار الغناء، كما غيّروا عاداتهم في مقدمات قصائدهم من بكاءٍ ونوحٍ على الأطلال الدارسة ووصفٍ لبؤسها إلى تغنٍ وإشادة بالقصور العامرة، ووصف مباهجها ومديحٍ للمدن وتعداد محاسنها، فالشاعر أحمد بن يسار الجرجاني يروي قائلًا ( [24] ) : (دخلنا يومًا على الرشيد بالرقة، وقد فرغ من بناء قصره الأبيض أنا والتيمي بن محمد وابن رزين وأشجع السلمي، فأنشده التيمي قصيدة يذكر فيها نقفور ووقعته في بلاد الروم، فكان كأنما ينثر به دررًا، ثم أنشده أشجع السلمي قائلًا:
قصر عليه تحية وسلام
فيه اجتلى الدنيا الخليفة والتقت ... للمُلْك فيه سلامة ودوام
قصر سقوف المزن دون سقوفه ... فيه لأعلام الهدى أعلام
نشرت عليه الأرض كسوتها التي ... نسج الربيع وزخرف الأوهام
أجرى الإمام إليه نهرًا مفعمًا ... ألقى القياد وليس فيه زمام
برقت سماؤك في العدو فأمطرت ... هامًا لها ظل السيوف غمام
وإذا سيوفك صافحت هام العدا ... طارت لهن على الرؤوس الهام
أدنتك من ظل النبي وصية ... وقرابة وشجت بها الأرحام
وعلى عدوك يا بن عم محمد ... رصدان ضوء الصبح والإظلام
فإذا تنبّه رعته وإذا غفا ... سلت عليه سيوفك الأحلام