فهرس الكتاب
وأما القابلة فلما استُقبل بعد ليلتك التي أنت فيها، وكأنها مأخوذة من الاستقبال.. وليس في الليالي من تسمية ما في الأيام إلا ما ذكرنا (10) .
وقد أوضح بدقة مفهوم الزمن الحاضر والماضي والمستقبل بألفاظه التي تدل عليه، وعرض بين يديه شواهد شعرية؛ منها قول نُصَيْب (11) :
وإني حُبستُ اليومَ والأمسِ قبلَه ببابِك حتَّى كادتِ الشمس تَغْربُ
"وأما غَدٌ) فليومك الذي يستقبل، وبعد غد لليوم الذي بعده، والذي يليه اليوم الثالث. وقالوا في غَدٍ، في مَثَل لهم: غَدْوًا إنضاجُها وطيبُ لحمِها)، يريد: غدًا؛ فأظهر الأصل" (12) ثم استشهد بقول لبيد بن ربيعة (13) :
وما الناسُ إلاّ كالديار وأَهلُها بها يومَ حَلُّوها وغَدْوًا بلا قعُ
ثم ذكر أسماء الأيام في عهده وفي العصر الجاهلي، وختمها بأسماء الشهور؛ ومن ثم انتقل إلى تلبيات العرب.. ومن قوله في ذلك"فالمُحَرَّم سُمّي المحرم لأنه حُرِّم فيه القتال. وصَفَر: كانوا يخرجون فيه إلى بلاد يُقال لها: الصَّفَريَّة يمتارون منها. وربيع الأول والآخر لارتباع القوم والمقام.. وجمادى الأولى والآخرة: بجمود الماء فيها. وكانا يسميِّان: شيْبانَ ومِلْحانَ.." (14) فالزمن لديه لم يعد مجرد حركة فيزيائية للفلك تدل على وقت ما، قلَّ أم كثر، انقطع أم اتصل، بل غدا له وجه معرفي اجتماعي. فقارئ الكتاب يلحظ أنَّ الحديث لم يكن حكرًا على الزمن أو على تحديد مفهومه الفيزيائي الميقاتي وإنما اتخذ عند قطرب وجهًا اجتماعيًا، ومنه استمد كثيرًا من تسمياته.. وحين حَدَّد الزمن بأقسام ثلاثة كان يعتمد في ذلك على ما اختزنه من معارف العرب وأشعارهم وتجاربهم.. وبهذا ظهرت فكرة تقسيم الزمن مما خبره العرب وأدركوه عن عيان؛ وسموه بأسمائه الخاصة به لديهم.. وليست قادمة من اليونان أو غيرهم كما يراه بعض الباحثين.. ولعلّ التأثير اليوناني يظهر في فلسفتهم لفكرة الزمان من بعدُ.