فهرس الكتاب

الصفحة 18406 من 23694

فالزمن غدا كما عبّرت عنه الدراسات العربية القديمة المبكرة قياسًا للعمر ومدة البقاء؛ في الوقت الذي صار تجربة اجتماعية مادية ونفسيّة تنطوي على وعي لتعاقب الأحداث؛ ميلادًا وموتًا وربطها بالزمن الطبيعي.. دون أن ينسى العرب مفهوم الزمن التاريخي لحظة واحدة.. وفي ضوء ذلك اهتدوا إلى دورة الزمن التي لا تتشكل في بداية ولا نهاية وأطلقوا عليها مفهوم الدهر.. ثم تغير المفهوم الزمني الدائري بفعل العقائد الدينية؛ وبفعل الدراسات الفكرية والأدبية.. المتأثرة بالثقافة الوافدة في عصر ابن قتيبة وما بعده. ولعل من أهم الدراسات العربية القديمة التي جعلت الزمان بعدًا موضوعيًا فنيًا قبل أن يكون زمنًا تاريخيًا واجتماعيًا ما قدمه لنا أبو علي المرزوقي ت 421هـ/ 1030م) في كتابه المشهور الأزمنة والأمكنة).. فإذا كان ابن قتيبة قد حرص على التمسك بثقافة القدماء ومعاينة ما قالوه مما حجب عنه فكرة تحليل الأشعار والأسجاع التي جاءت في كتابه فإن المرزوقي جهد في البحث عن المعاني المرتبطة بالزمان في شرحه للعديد من الشواهد الشعرية.. فضلًا عن العنوان الذي يحمل وعيًا ناضجًا للزمن يذكرنا بوعي قُطْرب) له.. وحين لوَّح قطرب بفكرة المكان في إطار تلبية الجاهليين) وربطها بالزمان فإن المرزوقي صرح بفكرة الربط بين الزمان والمكان في العنوان.. وانطلق من أُحادية الزمان والمكان إلى التعددية مقتديًا بما فعله قطرب) ولكنه كان يدرك منذ البداية ما هو مقدم عليه كما توضح خطبة كتابه. فقد أحسّ المرزوقي بذاتية الزمان في المكان.. ويمشي الزمان الذاتي الفني بمقدار ما يجري في المكان من بواعث التأثير فيقول:"فترى ذكر الزمان في المكان في جميع ما يندرجون فيه شقيق أرواحهم، ومشرع الروح لأفئدتهم، ومستمد لذاتهم، ومشتكى أحزانهم. به يكشف البلوى ويستنزل المطر، فليسوا بشيء من حظوظهم أقنع منهم باجتماع الوطن والمطر.." (19) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت