فهرس الكتاب
ولست الآن في معرض الحديث عن فكرة الزمان في الكتاب منهجًا ومادة بشكل مفصل - إذ يستحق من الباحث دراسة خاصة لأهمية ذلك - ولكنني في هذا المقام أوضح أن المرزوقي كان مبدعًا في إبراز الزمان الموضوعي المعرفي الذي سافر إلى الزمان التاريخي؛ وتوقف عن أزمان ميقاتية عديدة؛ بمثل ما كشف عن علاقة الزمن الذاتي بالطبيعي والاجتماعي.. فكتاب"الأزمنة والأمكنة"بيّن لنا دقة إدراك المرزوقي لفكرة الزمان في ضوء التجربة الذاتية.. فالزمن لديه إحساس واعٍ في ضوء تجارب الماضي وخبراته ومعارفه. وبهذا حقق لنا الهدف من التأليف في هذا الموضوع؛ إذ استطاع أن يثبت أن الزمان الذي يستوعب الكون والتاريخ والجغرافية لا يمر إلاّ في إطار حركة الذات المعبرة عن الزمن المعرفي والنفسي.. وهي حركة امتداد الزمن الواعي من الحاضر إلى الماضي، ومن ثم الرجوع إلى المستقبل.. فالزمان ينساب في كل شيء باطراد العلائق الجوهرية التي تقع في أعراض المكان والوجود وحوادثها.. (24) .
ولهذا كله فحين يلجأ إلى الشعر القديم الجاهلي لم يكن هذا لديه لتفضيله إياه وإنما باعتبار سبقه الزمني الذي تبنى عليه دلالة الأطوار الزمنية حتى عصره.. وهذا عكس ما رأينا عند بعض القدماء من النقّاد اللغويين الذين نبع لديهم المثال الأعلى للزمن من الماضي لا من الحاضر أو المستقبل؛ بل إنهم رأوا أنه ليس لمتأخر الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدمين (25) وهذا ما سنوضحه حين نتحدث عن مؤلفات النقّاد الأدباء.. التي أشارت إلى فكرة الزمن بكل دقة ووضوح.
وقبل أن نشير إلى جملة من الدراسات التي تناولت فكرة الزمن لا بدّ لنا من أن نبين مدى إفادة المرزوقي من فكرة الزمن عند النحويين؛ ولا سيّما عند سيبويه.