فهرس الكتاب

الصفحة 18418 من 23694

قال: وتأويله عندي أن العرب كان شأنها أن تذمَّ الدهر وتسبه عند الحوادث والنوازل تنزل بهم من موت أو هرم؛ فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر وحوادثه، وأبادهم الدهر؛ وقد ذكروا ذلك في أشعارهم وأخبر الله تعالى عنهم بذلك في كتابه العزيز ثم كذبهم؛ فقال: وقالوا: ما هي إلا حياتنا الدنيا.. قال عز وجل: وما لهم بذلك من علم؛ إن هم إلا يظنون" (41) ."

هذه هي تفسيرات ثلاثة للآية الكريمة تؤكد تطور مفهوم الزمن/ الدهر بين الجاهلية والإسلام؛ ومن ثم تزيل التوهم عن الوجه غير الحق في معرفة معنى الدهر..

وعلى هذا فإن كلمة رسول اله ): [لا تسبوا الدهر] ؛ على تأويل:"لا تسبوا الذي يفعل بكم هذه الأشياء، فإنكم إذا سببتم فاعلها فإنما يقع السب على الله تعالى؛ لأنه الفاعل لها؛ لا الدهر؛ فهذا وجه الحديث. قال الأزهري: وقد فسّر الشافعي هذا الحديث بنحو ما فسَّره أبو عبيد؛ فظننت أن أبا عبيد حكى كلامه" (42) .

وبذلك كله اتضح الفرق بين مفهوم الدهر باعتباره ظرفًا خلقه الله لحدوث الفعل كائنًا ما كان، وبين مفهوم الذات الإلهية.. فهما ليسا واحدًا.. وهذا ما لم تدركه المسيحية أو غيرها من قبل، وأدركه المسلمون؛ ثم ناقشه الغربيون في القرن السابع عشر دون إشارة إلينا.

وقد يعتقد كثير منا أن مفهوم الدهر في بعض الدراسات القديمة أخذ يتجه اتجاهًا يكاد يغاير مفهوم الزمن.. لأن عددًا غير قليل منها يرى أنهما ليسا واحدًا؛ ولو وقع أحدهما موقع الآخر.. فيها، (43) بيد أن ذلك ليس مطردًا ولا عامًا.

وبهذا فإن مفهوم الزمن/ الدهر لم يعد يقتصر على الدلالة القديمة؛ وإنما بدأ يتأثر بالتأمل؛ وبالآراء الكثيرة الوافدة. ولهذا يرى مسكويه أن الدهر ليس من الزمان ولا الحين ولا الوقت؛ فهو أخَصّ بالأشياء التي ليست في زمان ولا في حركات الفلك.

فنسبة الزمان إلى الأمور الطبيعية كنسبة الدهر إلى الأمور غير الطبيعية أو ما فوقها. فالدهر شمولي كوني، متحرر من حركات الفلك (44) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت