فهرس الكتاب
إنّ العلاقة بين الذّات والموضوع، بين الإنسان والأثر الفنّيّ، بمفهومها الأوسع والأشمل هي ما نسميّه بالمعايشة الفنّيّة أو الجماليّة. ولعلّ هذا المبحث الجماليّ هو الأكثر أهميّةً وتشويقًا بين المباحث الجماليّة، بل إنّ فيكور باش -V.Basch يضيّق دائرة علم الجمال حتّى يجعلها حاصرةً للتّذوّق الفنّيّ وحسب (47) ، إذ على الرّغم من كلّ المحاولات في وصف المشاعر أو الحالة التي يكون فيها الإنسان حين المعايشة الجماليّة، فإنّها تظلّ متساميةً على الألفاظ التي نكأد في استجداء دقائقها ومرهفاتها لتصوير هذه المشاعر، وتظلّ محتفظةً بالغموض الجليل الذي يلفّها وتعجز الكلمات عن جلوه. فعندما"يقف المرء مشدوهًا أمام منظرٍ طبيعيّ خلاّبٍ؛ كبضع شجيراتٍ تشابكت أغصانها مظلّلةً ينبوع ماءٍ تنداح تموّجات تدفّقه أنصاف دوائر رقراقةٍ برّاقةٍ كقوس قزح. أو يستمع مترنّمًا طربًا إلى موسيقى عذبةٍ يشعر أنّها تراقص روحه، أو تستمدُّ نسج أنغامها من نسغ أحاسيسه. أو يقرأ إحدى الرّوايات الرّائعة بتروّي الرّؤوم وشغف المشوق، فلا يلبث أن يجد نفسه وكأنّه أحد شخوص هذه الرّواية؛ يفرح لفرحهم ويستاء لاستيائهم، وربّما تأخذه النّشوة حينًا فيهمُّ بالتّدخّل وتغيير الحدث... ولكن لا مجال للتّدخّل" (48) . فكيف يمكن أن توصف مثل هذه المشاعر؟! إنّها مسألةٌ صعبةٌ؛ جدّ صعبةٍ، ولعل من أطرف محاولات هذا الوصف ما أسدى به أنيس منصور بقوله:"عندي سببٌ وجيهُ لكي أستمع إلى البرامج الموسيقيّة، فإنّني أترك نفسي لمن يضع لي جناحين في ذراعي، ولمن يلغي الجاذبيّة الأرضيّة من حولي، ولمن يفتح رأسي فتطير منها الأفكار كعصافير وحشيّةٍ في كلّ اتّجاهٍ، ولمن يغرس دبّوسًا في رأسي كما يغرسونه في أشجار الصّمغ بعيدًا عن أعصابي وكأنّها في ماءٍ باردٍ وأحسُّ كأنّني خلعت جسمي تمامًا كما يخلع الإنسان ملابسه فأنسلخ إذ أتسلّل من جسمي وهو سجن العمر..."