فهرس الكتاب
مع الموسيقى أكون شيئًا آخر، لا أكون أنا وإنّما أصبح غيري؛ أحسن وأصحّ وأكثر حريّةً... وأعرف بالضّبط ما هو وجه الحسن والصّحّة والحريّة التي أنعم بها، ولكن من المؤكّد أنّني أخفّ فقد تخفّفت من الذي كنت فيه..." (49) ."
جدليّة العلاقة الجماليّة
لعلّ التّوحيديّ ثاني من استطاع الوقوف على جدليّة العلاقة الجماليّة، بعد أبي عثمان عمرو بن بحرٍ الجاحظ (50) ، وقوف ضليعٍ بكنه الجمال وحقيقته، خبيرٍ بأسراره ومساربه، فقدّ هذه العلاقة بصيغتها الفلسفيّة قدًّا مؤنّقًا مؤتلقًا، وهاهو ذا يتساءل في الهوامل والشّوامل )) عن طبيعة الجمال تساؤلًا صريحًا يكشف من خلاله عن مدى إدراكه لهذه الحقيقة، فيقول:"ما سبب استحسان الصّورة الحسنة؟ وما سبب هذا الولع الظّاهر؟... -ويتابع مستفسرًا: أهذه كلّها من آثار الطّبيعة؟ أم هي من عوارض النّفس؟ أم هي من دواعي العقل؟ أم هي من سهام الرّوح؟ أم هي خاليةٌ من العلل جاريةٌ على الهذر؟ وهل يجوز أن يوجد مثل هذه الأمور الغالبة والأحوال المؤثّرة على وجه العبث، وطريق البطل؟" (51) .
يبدو جليًّا ما في هذه التّساؤلات من دلالاتٍ معاصرةٍ، نتعامل معها الآن، في طبيعة الجمال، فيتساءل: هل الجميل جميلٌ لأنّه بطبيعته كذلك؟ أي لأنّه يتّصف كموضوعٍ بالصّفات الجماليّة المستقلّة تمام الاستقلال عن ذواتنا. ثمّ ينتقل إلى الطّرف المقابل تمامًا، فيقول: أم هي عوارض النّفس؟ وهذا هو الجانب الذّاتيّ، أي إنّ طبيعة الجمال هي صفاتٌ نخلعها على المواضيع باختلاف أحوال النّفس وعوارضها. ثمّ يتابع تساؤلاته ببراعة المتبصّر الخبير، متنقّلًا بين أحوال الذّات والموضوع وعوارضهما.
ولكن أين يقف التّوحيديّ من ذلك؟
لعلّ في طرح هذه التساؤلات دون الميل إلى أحد الجانبين أو إغفال الجانب الآخر أو محاولة طمس معالمه، ما يكفي للتّدليل على تفهّمه لهذه الصّلة وأهمّيتها.