فهرس الكتاب
ولكنّه، ما دام قد وقف على هذه العلاقة، ما كان ينبغي له تجاوزها دون تحديد موقفه منها، وهذا ما قرّره صاحب الهوامل والشّوامل فعلًا، فيعرّف الجمال بأنّه"كمالٌ في الأعضاء، وتناسبٌ في الأجزاء، مقبولٌ عند النّفس" (52) . وليس أبلغ من هذا في الدّلالة على قوّة تلازم العلاقة الماثلة بين الموضوع -من حيث ضرورة اتّصافه ببعض الخصائص؛ الّتي هي المكوّنات الجماليّة، الممكن وصفها بالثّبات؛ بصورةٍ أو بأخرى -والّذات بأحوالها المتباينة من حينٍ إلى آخرٍ، ومفاهيمها المختلفة؛ هذه الذات التي نستطيع وصفها بالحيويّة والحركيّة."فالتّوحيديّ، على لسان مسكويه، يرى أنّ بين الطّبيعة والنّفس حوارًا مستمرًا، فالطّبيعة تتلقّى أفعال النّفس وآثارها، لذلك فإنّها عندما تشكّل صور الهيولى- أي المادّة الأوليّة للأشياء- فإنّها تجعل هذه الصّور وفق رغبة النّفس وحسب استعدادها لقبول هذه الصّور" (53) .
إنّ وقوف أبي حيّان التّوحيديّ على هذه الحقيقة بصيغتها النّاجزة هذه التي تأخذ بعين النّظر اختلاف أذواق النّاس لأسبابٍ شتّى، ودور ذلك في الأحكام الجماليّة وتباينها حتّى على الأثر الجماليّ الواحد، يكون قد فرض نفسه رائدًا فعليًّا ثانيًا للنّظرية الجدليّة (54) في تحديد طبيعة الجمال، والتي يدّعي جلُّ المفكّرين أنّها لم تنشأ إلاّ مع مطالع القرن التّاسع عشر على يدي المفكّر الرّوسيّ تشرنشفسكي -Tchernichowsky (55) ، أو ربّما في أواخر الثّامن عشر كإرهاصاتٍ أوّليّةٍ على أيدي ديدرو -Dkderot (56) ، وهردر Herder (57) ، وشيلر -Schiller (58) .