فهرس الكتاب

الصفحة 18512 من 23694

والحقُّ أنّ فيلسوفنا لم يتوقفّ عند تحديد هذه العلاقة التي تجاوز بها سابقيه، وكثيرًا جدًّا من لاحقيه، ولفترةٍ طويلةٍ من الزّمن، بل استرسل في سبر أغوار هذه العلاقة، واستقصاء ما تنطوي عليه من معانٍ ودلالاتٍ جماليّةٍ، فقد انطلق من حيويّة العلاقة وحركيّتها بين الذّات والموضوع في تحديد طبيعة الجمال ومقاييسه، ليصل من خلالها إلى ما نسميه اليوم بالمعايشة الجماليّة، والمعايشة الفنيّة، وهو وإن لم يكن أوّل من أثار هذا الموضوع إلاّ أنّه أوّل من أسبغ عليه ببراعته، ومقدرته البلاغيّة لبوسًا موشّحًا برونق العلم وألق البهاء، مازلنا نمتح من معانيه ومفاهيمه وحالي وشيه في التّعامل مع هذا المبحث الجماليّ حتّى اليوم.

أوّلًا: بين الفنّان والأثر الفنّي

ولعلّ الحديث عن العلاقة بين الفنّان وأثره أوّل ما يسترعي الانتباه، لأنها ترافق الأثر الفنّيّ في كلّ مراحله؛ منذ الممهّدات المهيّئة لانقداح شرارة الإلهام بفكرته، وتبلورها شيئًا فشيئًا حتّى انسكابها في قالبها الفنّيّ. دون أن يعني ذلك أنّ ثمّة آليّةً معيّنةً تتواتر على أساسها مراحل الأثر الفنّيّ سالفة الذّكر.

والحقيقة أنّ التّوحيديّ قد أسهب وأطنب كثيرًا في شرح هذه المراحل خلال حديثه عن الإلهام والموهبة، والشّروط، والظّروف اللاّزمة الضّرورية، والنّافلة العرضيّة التي تتيح للموهبة، أو للذّات المبدعة، أن تفصح عن مكنوناتها.

وكذلك الحالة النّفسيّة للفنّان، وشروط الفنّ الحقيقيّ، وقد سبق الحديث؛ تلميحًا أو تصريحًا، في بعض ذلك وربّما يكفي أن نشير إلى تلك العبارات البليغة التي وصف بها فيلسوفنا حال الفنّان بعيد اكتمال أثره الفنّيّ التي يقول فيها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت