فهرس الكتاب
"فإذا صنع الصّانع تمثالًا في مادّته موافقةٌ فقبلت منه الصّورة الطّبيعة تامّةً صحيحةً؛ فرح وسرّ وأعجب وافتخر، لصدق أثره وخروج ما في قوّته إلى الفعل موافقًا لما في نفسه، ولما عند الطّبيعة" (59) . وبعض هذا ما ذهب إليه جوته -Goethe بقوله:"شخصيّة الفنّان هي كلُّ شيءٍ في الفنّ والشّعر" (60) .
هكذا يكشف لنا التّوحيديّ عن بعض المشاعر التي تختلج في أعماق الفنّان حين ينظر إلى أثره الفنّيّ وهو متجسّدٌ في صورته التي انتهى إليها، ولاسيما"أنّ الوصول إلى إدراك مشاعر الفنّان [في (61) ] أثناء الإبداع أمرٌ بالغ الصّعوبة، ومن ناحيةٍ أخرى لا يمكن سؤال الفنّان عن مشاعره [في] أثناء الإبداع، أي؛ كيف أحسّ بما أحسّ، وكيف شعر بما شعر" (62) .
كلماتٌ أربعٌ تلك التي أوجز بها هذه الحالة، وإنّك لتشعر أنّها تتزاحم وتتسابق، وتتآلف وتتعانق، وهي وإن قلّت تنمُّ على معانٍ كثيرةٍ، بل إنّ كلّ كلمةٍ توجز لنا حالةً من حالات الفنّان -بغضّ النّظر عن تآلفها معًا على النّحو الحقيقيّ لما هي عليه حالُ الفنّان؛ فالفرح والسُّرور يعبّران عن النّشوة أو اللّذّة الجماليّة التي تمتلك كيان الفنّان وتسري فيه سريان الدّم في أوعيته، ولعلّ هذه النّشوة حين تملكها الإنسان هي التي تنزع به إلى الاتحاد بالأثر الفنّيّ في ضربٍ جدّ راقٍ من ضروب المعايشة الجماليّة، على نحوٍ أشدّ ما يشبه الفناء الصّوفيّ، حيث تتجرّد النّفس عن مادّتها، وخاصّ ما لها، لتتسامى باتّحادها بالذّات الإلهيّة على النّحو الذي وصفه الحلاج بقوله (63) :
أنا من أهْوى ومنْ أهْوى أنا
نحْنُ رُوحان حللْنا بدنا
فإذا أبْصرْتني أبْصرْتهُ
وإذا أبْصرْتهُ أبْصرْتنا